بقلم رضوان محمد قريب
مرة أخرى، تجد أوروبا نفسها أمام قضية تضع خطابها الحقوقي تحت المجهر. فوفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير، البالغ من العمر أربعين عامًا، خلال تدخل أمني بمدينة بولونيا الإيطالية، لم تعد مجرد حادثة محلية، بل تحولت إلى قضية رأي عام تثير تساؤلات جدية حول احترام الحق في الحياة، وحدود استعمال القوة، وكيفية تعامل أجهزة الأمن مع المهاجرين.
الفيديوهات المتداولة، والتي أظهرت الضحية وهو يستغيث طالبًا النجدة أثناء عملية توقيفه، أثارت موجة واسعة من الصدمة داخل المغرب وخارجه. ورغم أن تحديد المسؤوليات يبقى من اختصاص القضاء والتحقيقات الرسمية، فإن مجرد وفاة شخص وهو تحت سيطرة السلطات الأمنية يفرض، وفق القانون الدولي، فتح تحقيق مستقل وشفاف وسريع يكشف الحقيقة كاملة، ويحدد ما إذا كانت الإجراءات الأمنية قد احترمت مبادئ الضرورة والتناسب وحماية الحياة.
هذه القضية تتجاوز حدود إيطاليا، لأنها تعيد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا حول تعامل بعض الأجهزة الأمنية الأوروبية مع المهاجرين والأقليات. وقد سبق أن أثارت حوادث مماثلة انتقادات من منظمات حقوقية دعت إلى تعزيز الرقابة على استخدام القوة وضمان المساءلة في كل حالة وفاة أثناء الاحتجاز أو التوقيف.
ولا يقلق الرأي العام فقط ما جرى أثناء التدخل الأمني، بل أيضًا بعض التعليقات التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، والتي بررت الوفاة أو تعاملت معها بقدر من القسوة. ومع ذلك، فإن هذه التعليقات لا تمثل المجتمع الإيطالي بأكمله، إذ برزت كذلك أصوات إيطالية من حقوقيين وصحفيين ومواطنين طالبت بكشف الحقيقة وضمان العدالة.
إن الدفاع عن حقوق الإنسان يفقد معناه إذا لم يشمل الجميع دون تمييز بسبب الأصل أو الجنسية أو الوضع الاجتماعي. فالمهاجر، مهما كانت ظروفه القانونية، يظل إنسانًا يتمتع بحقوق أصيلة لا يجوز المساس بها، وفي مقدمتها الحق في الحياة والكرامة والمحاكمة العادلة.
وتبقى المسؤولية اليوم مشتركة. فالسلطات الإيطالية مطالبة بإجراء تحقيق مستقل وشفاف ونشر نتائجه للرأي العام، ومحاسبة أي مسؤول إذا ثبت وقوع تجاوزات. كما أن السلطات المغربية مطالبة بمتابعة القضية دبلوماسيًا وقانونيًا، وتقديم الدعم اللازم لأسرة الفقيد، والدفاع عن حقها في معرفة الحقيقة.
إن قضية عبد الرحيم فقير ليست قضية مهاجر مغربي فقط، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام الدول الأوروبية بالمبادئ التي تعلن الدفاع عنها. فالعدالة لا تُقاس بجنسية الضحية، وحقوق الإنسان لا ينبغي أن تكون امتيازًا تمنحه الدولة لبعض الناس وتحجبه عن آخرين. الحقيقة الكاملة، والمساءلة، واحترام الكرامة الإنسانية هي وحدها الكفيلة بصون الثقة في دولة