FR AR
Partager sur :

الشموخ والعزة والأنفة

ليس الشموخ أن تنظر إلى الناس من علٍ، بل أن تنظر إلى نفسك بعين الكرامة التي أودعها الله فيك. وليس العز أن تملك مالًا أو منصبًا أو نفوذًا، بل أن تملك نفسك حين تتهاوى النفوس أمام المغريات، وتثبت على مبادئك حين تتبدل المواقف وتتغير الوجوه. وليست الأنفة تكبرًا على الخلق، وإنما هي امتناع النفس الحرة عن كل ما يجرح كرامتها أو ينتقص من قدرها.

هناك فرق شاسع بين المتكبر والعزيز.

فالمتكبر يحتاج دائمًا إلى من يشعره بتفوقه، أما العزيز فيستمد قيمته من يقينه بالله ومن معرفته بنفسه، فلا يتعالى على أحد، ولا يسمح في الوقت نفسه لأحد أن يستصغره أو يمس كرامته.

الشموخ الحقيقي لا يولد في أوقات الراحة، بل يخرج من رحم الابتلاءات. فكم من إنسان أرادوا كسره فزادته المحن صلابة، وأرادوا إضعافه فخرج من أزماته أكثر قوة وثباتًا. ذلك لأن الله إذا أراد لعبد خيرًا علّمه أن يستند إليه وحده، فإذا استند إلى الله لم تزعزعه رياح البشر، ولم تهزه تقلبات الحياة.

قال الله تعالى:

﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾

فالعزة ليست وسامًا يمنحه الناس، ولا لقبًا يُكتسب بالمظاهر، بل مقام يرفعه الله لمن عرفه حق المعرفة. ومن ذاق طعم العزة بالله استغنى عن تصفيق الناس ومديحهم، وعن رضاهم وسخطهم، لأنه أيقن أن القلوب بيد الله، وأن الأرزاق بيد الله، وأن المقادير كلها بيد الله.

أما الأنفة فهي تاج النفس الكريمة.

هي أن ترفض أن تكون تابعًا حيث يجب أن تكون حرًا، وأن ترفض التملق حيث يجب أن يكون الصدق، وأن ترفض الذل حيث جعل الله لك مقام الكرامة.

صاحب الأنفة لا يبيع مبادئه من أجل مصلحة عابرة، ولا يتخلى عن قيمه من أجل مكسب مؤقت، ولا يمد يده إلى ما لا يليق به ولو اشتدت حاجته. إنه يدرك أن الفقر أهون من المهانة، وأن الخسارة أهون من فقدان الاحترام، وأن الوحدة أحيانًا أشرف من صحبة تُنتزع فيها الكرامة قطعةً قطعة.

وقد تمر بالإنسان لحظات يظن فيها أن التنازل هو الطريق الأسهل، لكن الأيام تعلمه أن كل تنازل عن الكرامة يترك ندبة في الروح يصعب محوها، وأن ما يُفقد من المال أو الجاه يمكن تعويضه، أما ما يُفقد من عزة النفس فاستعادته أصعب بكثير.

لذلك كان الأحرار عبر التاريخ أصحاب أنفة وشموخ. لم تمنعهم قلة العدد، ولم ترهبهم قوة الخصوم، لأنهم كانوا يحملون في صدورهم يقينًا أكبر من المخاوف، وإيمانًا أعمق من كل التهديدات.

فكن شامخًا دون تكبر، وعزيزًا دون تعالٍ، وأنوفًا دون قسوة.

واجعل كرامتك مستمدة من كرامة الله التي أكرمك بها، لا من وهم التفوق على الآخرين. واعلم أن من عرف قدر نفسه لم يُهنها طمعًا في أحد، ومن عرف ربه لم ينحنِ إلا له، ولم يطلب العزة إلا منه.

فالعزة بالله حياة، والشموخ بالله قوة، والأنفة بالله كرامة. أما الذل لغير الله فموتٌ بطيء، وإن ظل صاحبه يتنفس.

بقلمي:
رجاء التوبي
عاشقة للوطن

Partager sur :