بقلم: محمد مريزيقى — مؤرخ، كاتب، صحفي
لقد وقعت فعلاً الواقعة الكبرى حين خرج أحدهم يندد وينعت ويتوعد شخصاً بعينه أصبح بين ليلة وضحاها من أشرس خصوم حزبه، فكانت خرجته بمثابة كارثة وفضيحة ولعنة على السياسة وعليه وعلى حزبه. فأجابه صاحبه وشريكه في الحكومة المنتهية صلاحيتها بما هو أرعن وبلغة مشفرة واتهامات خطيرة — تمويل الإرهاب المفرقش، والريع السياسي والبرلماني المقنطر وما جاوره.
وفي كلا الحالتين وصل الخطاب السياسي إلى أدنى درجة ممكنة من الانحطاط. يا للفضيحة، يا للعار…
هل الوطن يستحق مثل هذه النخب البئيسة وهذه الأحزاب الفاشلة؟ نخب سياسية متشابهة خرجت من صلب واحد، اتحدت وتجمعت فقادت مصالح البلاد والعباد إلى أسوأ حال. نخب متوحدة بالأمس القريب وهاهي اليوم متناثرة متباعدة متناحرة، قيادتها تتناطح، همها السطو على المناصب الوزارية والمقاعد البرلمانية التي أصبحت ريعاً لعائلات بعينها.
قيادات حزبية ترقص وتتجول، وآلاف الأطفال العزل الذين عبروا البحر والبر إلى سبتة المحتلة بحثاً عن مستقبل أفضل يوجدون في أسوأ الظروف الإنسانية. قيادات أحزاب تنكرت لأبسط حقوقهم، اختارت الصمت عن قول الحق والاعتراف بالفشل في تدبير أمورهم، وعجزت حتى عن القيام بأبسط الأخلاقيات: تقديم العزاء لأسر ضحايا العبور.
قيادات أحزاب أعدّت ولائم لجمهور يرتحل بين خيام الأحزاب ليتمتع بـ"الزردة"، لا هم له بالسياسة، ولا علاقة له بالحزب، ولا يعرف حتى اسم كاتبه العام. بالله، هل هناك أكبر من هذه الفضيحة والسلوك السياسي المنحط؟
تُنظَّم اليوم خطابات عجاف ورقصات عرجاء مضحكة لشخصيات حزبية لا تتقن فن السياسة، ولا تحترم شعور أسر لا تزال في حداد تبكي أطفالها. يرقصون وفي سبتة المحتلة جثامين شبان عزل فضلوا العبور براً وبحراً آملين ضمان العيش الكريم لهم ولأسرهم.
فأي معادلة هذه؟ عائلات في حداد تبكي فقدان أبنائها وحكومة إسبانية تقوم بدفن الضحايا بالعشرات، وفي المقابل أحزاب وطنية منهمكة في تحضير الولائم وكتّاب عامون يرقصون وكأن شيئاً لم يحدث.
وكأن سكان الحوز وضحايا الفيضانات خرجوا من عزلتهم ونالوا حقوقهم وتعويضاتهم كاملة. وكأن مهن الصحافة والمحاماة في أحسن الأحوال.
بالله عليكم، كيف وصلت أوضاع البلاد لهذه الدرجة من الفساد السياسي والريع البرلماني الذي أصبحت تتحكم في تدبيره عائلات بعينها؟ كيف يمكن إعادة الثقة وكسر اللعنة التي أصابت النخب الحاكمة؟
«إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة» — سورة الواقعة
محمد مريزيقى: مؤرخ، كاتب، صحفي