في سياق احتفالات رأس السنة الأمازيغية، وضمن فعاليات الدورة الرابعة لاحتفالية “تيفلوين” التي تنظمها جماعة تيزنيت، سارك تلاميذ شعبة الفنون التطبيقية بالثانوية التقنية ابن سليمان الرسموكي في المعرص البصري “تفاصيل”، وهو مشروع فني يراهن على الصورة الفوتوغرافية كوسيلة لإعادة قراءة المدينة العتيقة واستنطاق ذاكرتها الإنسانية والجمالية.
ويمتد الرواق الفني طيلة أيام الاحتفال داخل فضاءات المدينة القديمة، مقدما للزائرين رحلة بصرية تنبش في إيقاع الحياة اليومية وأسرار الأمكنة التاريخية، من خلال عدسات تلميذية شابة تحاول الإمساك بما هو عابر ومنسي في آن واحد.
لا يقدم مشروع “تفاصيل” نفسه كتوثيق بصري تقليدي يبحث عن الغرائبي أو الاستثنائي، بل كاستعارة فنية تحاول اقتحام عتبات المدينة القديمة، سعيا وراء التفاصيل الصغيرة التي تشكل روح المكان. ويؤكد القائمون على المبادرة أن الهدف هو التقاط “الدمغة الإنسانية” للمدينة، في زمن يشهد انزياحا متسارعا نحو الرقمنة والذكاء الاصطناعي، حيث تصبح الصورة أداة للتأمل والسؤال أكثر من كونها مجرد تسجيل للواقع.
وتسعى الأعمال المعروضة إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين الإنسان والمكان، عبر صور “تضج بالتساؤل والدهشة”، تلتقط يدا تمتد، أو منعطفا يفضي إلى درب ضيق، أو جدارا واطئا، وأشياء تنبثق من اليومي العادي لتتحول إلى حوامل للمعنى والذاكرة.
ورغم اعتماد التلاميذ على وسائل بسيطة وغير احترافية، مثل الهواتف المحمولة والكاميرات العادية، إلا أن المشروع ينطلق من قناعة راسخة مفادها أن “الفكرة هي الجوهر”، وأن الإمكانيات المتواضعة قادرة، متى وظفت برؤية خلاقة، على استنطاق التفاصيل وصياغة خطاب بصري عميق.
وفي هذا الإطار، ركز البرنامج البيداغوجي للمشروع على تنمية الحس الجمالي والنظرة الفنية لدى التلاميذ، من خلال تدريبهم على اختيار الموضوع واللحظة المناسبة، والتعبير عن الهوية المحلية عبر الصورة، حيث “العدسة ليست أداة تسجيل، بل عين تجمع شظايا الذاكرة والجمال”.
وخلال مراحل إنجاز المشروع، تعمق التلاميذ في أساسيات التكوين الفوتوغرافي، من قبيل قاعدة الأثلاث، والتوازن، والعمق، وزوايا الالتقاط، مع اهتمام خاص بقراءة الصورة وبناء دلالتها البصرية، ليس باعتبار التقنية غاية في حد ذاتها، بل كوسيلة للحفر في العمق البصري للمشهد.
كما خضعت الأعمال المنجزة لمرحلة معالجة رقمية نهائية، شملت تصحيح الألوان وتحسين الإضاءة وضبط التباين، ليس بهدف “تزيين الواقع”، بل لإعداد الصور كأعمال فنية تحافظ على صدق اللحظة وجماليتها.
ويكتسي عرض هذا المشروع ضمن فضاءات “تيفلوين” دلالة رمزية خاصة، بتزامنه مع احتفالات رأس السنة الأمازيغية، حيث تتحول الصورة إلى جسر حوار بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة الجماعية والجيل الرقمي الصاعد، في لحظة ثقافية تحتفي بالهوية والانتماء.
أكثر من كونه معرضا فنيا، يشكل مشروع “تفاصيل” تجربة بيداغوجية متكاملة، تهدف إلى إشراك تلاميذ الفنون التطبيقية في الدينامية الثقافية للمدينة، وتقوية قدراتهم التواصلية، وتمكينهم من الانخراط الفعلي في التظاهرات الثقافية، وصياغة مشاريع فنية منفتحة على محيطها السوسيو-ثقافي.
بهذا المعنى، يرسخ “تفاصيل” فكرة أن المدرسة يمكن أن تكون فاعلا ثقافيا حيا، وأن الإبداع التلميذي، حين يجد فضاءه، قادر على إعادة طرح الأسئلة الكبرى حول المدينة، والهوية، ومعنى الجمال في زمن التحولات المتسارعة.