حينما نتناول المسار الرياضي للعداء المغربي جمال نايت الحسين ، المنحدر من دوار أم عياش بجماعة أيت سدرات سهل الشرقية ، إقليم تنغير .. نقف إجلالا لهذا البطل الذي وقف شامخا لم يستسلم ، وتهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على مراحل مسيرته الرياضية، ومحطاته الوطنية والدولية، فضلاً عن إسهاماته التنظيمية والجمعوية في مجال رياضة العدو .. تعتمد الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي القائم على استقراء المعطيات المتاحة حول مساره، وتخلص إلى أن نموذجه يمثل شاهداً حياً على قدرة الرياضيين القادمين من المناطق النائية والبعيدة على بلوغ مستويات عالية في الرياضة الوطنية والدولية،
إذا ذكرنا جمال نايت الحسين، نذكر بالدرجة الأولى الأخلاق والإصرار والعزيمة ، نذكر رياضة العدو بتنغير، الرياضة القروية ، الترايل وأم الألعاب بالمنطقة النائية أم عياش ..
تُعدّ رياضة العدو والميدان في المغرب من الرياضات التي صنعت تاريخاً حافلاً بالبطولات والإنجازات، وأسهمت في رسم صورة مشرقة للرياضة المغربية على الساحة الدولية ، وفي هذا الإطار، يبرز اسم العداء جمال نايت الحسين بوصفه واحداً من أبناء المناطق الجبلية والقروية الذين أثبتوا أن الجغرافيا لا تقف حاجزاً أمام الطموح الرياضي ،
من قلب منطقة تنغير، المعروفة بمناظرها الطبيعية الخلابة وموروثها الثقافي الأمازيغي الأصيل، انطلق هذا العداء ليكتب مساراً رياضياً يستحق الدراسة والتوثيق ، إن توثيق مسارات الرياضيين المحليين ذوي الإنجازات الملموسة يكتسب أهمية بالغة ، ليس فقط من منظور تاريخ الرياضة الوطنية ، بل أيضاً من حيث قيمته في تحفيز الأجيال الصاعدة ، لا سيما أبناء المناطق النائية، على الاستمرار في مسيرة التميز الرياضي .. هنا نستحضر السياق الجغرافي والاجتماعي إذ
ينحدر جمال نايت الحسين من دوار أم عياش ، التابع لجماعة أيت سدرات سهل الشرقية، بإقليم تنغير جنوب شرق المغرب .. وتتميز هذه المنطقة بطابعها الجبلي وبنيتها الاجتماعية القائمة على القيم القبلية والأمازيغية الراسخة .. وتُعدّ المنطقة جزءاً من الحوض الجغرافي لجبال الأطلس الكبير، حيث تتوفر تضاريس طبيعية ملائمة لتطوير قدرات التحمل والجري لدى أبنائها.

على الرغم من محدودية البنية التحتية الرياضية في المناطق القروية بشكل عام، فقد أثبتت تنغير وقلعة مكونة وبومالن دادس وما يحيط بها أنها بيئة خصبة لإنتاج رياضيين متميزين، وهو ما يُعزى جزئياً إلى الطبيعة الجغرافية التي تُنمّي لدى ساكنتها قدرات جسدية استثنائية منذ الصغر ..
ثم إن الانطلاقة والمسيرة الرياضية
لجمال نايت الحسين بدأت رسمياً سنة 1991، حين خطا خطواته الأولى في رياضة الجري بشغف واضح .. ومنذ انطلاقته ، أبدى تمسكاً قوياً بالتدريب المنتظم والمثابرة، وهو ما أتاح له تحقيق حضور لافت في التظاهرات الرياضية الوطنية المتعددة .. وقد تميزت مسيرته بالتدرج المنهجي والمتأني، إذ عمل على بناء قدراته البدنية والتقنية بصبر وإصرار، مما أكسبه خبرة ثرية في مختلف أنواع سباقات العدو .. وقد شمل مساره الوطني المشاركة في سباقات الطرق الكبرى، وسباقات الكروس كونتري، والمنافسات المفتوحة التي تُنظَّم على مستوى الجهات والمدن المغربية.
أما إذا استحضرنا البُعد الدولي في مسار نايت الحسين فإنه لم يقتصر مسار نايت الحسين على الساحة المحلية، بل فتح لنفسه آفاقاً دولية من خلال مشاركات في عدة دول عربية وإسلامية، شملت: قطر، وتركيا، وتونس، وليبيا. وقد وفّرت له هذه المشاركات الدولية فرصة الاحتكاك بعدائين من مستويات مختلفة، وتجارب متنوعة في الأجواء التنافسية الخارجية .. إن الحضور الدولي في مسيرة رياضي من منطقة قروية مغربية يحمل دلالة رمزية قوية، تُعبّر عن الانفتاح والطموح اللذين ميّزا جمال نايت الحسين طوال مسيرته، كما يُسهم في تعزيز صورة الرياضة المغربية في المحافل الخارجية ..كما لا يمكننا أن نغفل العمل الجمعوي والتنظيمي
الذي يُعدّ الانتقال من ميدان الأداء الفردي إلى مجال العمل الجمعوي والتنظيمي أحد أبرز ملامح شخصية جمال نايت الحسين .. رفقة أصدقائه فهو يشغل اليوم منصب رئيس الجمعية المغربية للسباقات، وهو ما يعكس إحساسه العميق بالمسؤولية تجاه تطوير هذه الرياضة ونقل تجربته الغنية إلى الأجيال اللاحقة .. ومن أبرز الإنجازات التنظيمية التي تُضاف إلى رصيده، إشرافه على تنظيم وتطوير فعالية "ترايل أم عياش"، التي أصبحت موعداً رياضياً سنوياً ثابتاً يستقطب المتسابقين من داخل المغرب وخارجه، ويُسهم في الترويج السياحي والرياضي للمنطقة في آنٍ واحد ، حيث يستمد هذا العمل التنظيمي أهميته من كونه يربط بين الخبرة الميدانية المكتسبة من سنوات التنافس، وبين الرؤية الإدارية الضرورية لتنظيم فعاليات رياضية ناجحة، وهو ما يُكرّس صورة نايت الحسين بوصفه ليس فقط عداءً متميزاً، بل قائداً رياضياً ذا رؤية .. ولا ننسى أن القيمة النموذجية لمسار نايت الحسين لها أهمية نموذجية تتجاوز بعده الفردي، لتمتد إلى ما يحمله من رسائل للرياضة المغربية ككل ، فهو يكسر النمط الذي يحصر الإنجازات الرياضية في الأوساط الحضرية، مُثبتاً أن المواهب الكبرى قد تنبت في المناطق الجبلية والنائية، كما يُقدّم نموذجاً للرياضي الشامل الذي لا يكتفي بالإنجاز الشخصي، بل يُوظّف خبرته في خدمة المجتمع الرياضي .. علاوة على ذلك، يُجسّد مساره قيمة الإصرار والمثابرة على المدى البعيد، وهي قيم تتجاوز حدود الرياضة لتصبح درساً في الحياة بالنسبة لكل من ينتمي إلى المناطق التي تفتقر إلى الإمكانات المادية والبنية التحتية اللازمة.
لذا كان لابد أن نخلص ونستخلص الدروس والعبر والتوصيات
فخلاصة القول، يمثّل جمال نايت الحسين نموذجاً رياضياً حياً يستحق التوثيق الأكاديمي والإعلامي على حدٍّ سواء .. فمسيرته التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، من جري الدوار إلى التنافس الدولي، ومن الأداء الفردي إلى الريادة التنظيمية، تُقدّم صورة متكاملة لرياضي استثمر طاقاته الجسدية والفكرية في خدمة رياضته ومجتمعه ، وفي ضوء ما تقدم، يُوصي هذا البحث بما يلي :
أولاً : توثيق مسارات الرياضيين المحليين في أرشيف رياضي وطني منظّم.
ثانياً : دعم الجمعيات الرياضية العاملة في المناطق القروية مادياً وتقنياً.
ثالثاً : استثمار نماذج كجمال نايت الحسين في برامج التنشيط الرياضي المدرسي وتشجيع الموهوبين .
رابعاً : إجراء دراسات مقارنة بين مسارات العدائين المنحدرين من المناطق الجبلية المغربية لفهم العوامل المُحدِّدة للنجاح -
