ستستفيد وزارة الشؤون الثقافية التونسية في سنة 2026 من ميزانية تبلغ 460,969 مليون دينار، مقابل 425,490 مليون دينار في سنة 2025، أي بارتفاع نسبته 8%. وإذا كان هذا الغلاف المالي لا يمثل بعدُ سوى 0,73% من الميزانية العامة للدولة، فإنه يعكس رغبة معلنة في جعل القطاع الثقافي رافعة اقتصادية حقيقية، وليس مجرد بند إنفاق متعلق بالتراث فقط.
خمسة محاور استراتيجية لتحويل القطاع
قدّمت وزيرة الشؤون الثقافية، أمينة السرارفي، هذا الارتفاع في الميزانية من خلال خمس أولويات: التثمين الاقتصادي والاستثمار الثقافي، حماية التراث، دعم الإبداع والمشاركة المجتمعية، الإشعاع الثقافي لتونس على المستوى الدولي، وتحديث الإدارة الوزارية. ويمثل هذا التوجه قطيعة مع النهج التقليدي الذي كان يركّز على الحفاظ على التراث فقط.
هدف طموح: 3% من الناتج المحلي الإجمالي
تعلن الحكومة التونسية الآن عن هدف رقمي واضح: رفع مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي. ولتحقيق ذلك، تعتمد السلطات بشكل خاص على إحداث نحو 200 شركة ناشئة في القطاع الثقافي، إلى جانب رفع ملحوظ لسقف ضمان القروض الموجهة لحاملي المشاريع الثقافية، الذي يرتفع من 90 ألف إلى 300 ألف دينار. ومن المتوقع أن تُسهّل هذه الخطوة الحصول على التمويل لعدد كبير من الشباب المقاولين في هذا القطاع، وهو انشغال يعبّر عنه الفاعلون الثقافيون التونسيون بانتظام.
التراث: الرقمنة والتأمين الذاتي
وفي ما يتعلق بالجانب التراثي، فصّلت الوزارة عدة مشاريع هيكلية، من بينها رقمنة 14 ألف عمل فني من الأرشيف الفني الوطني، وترميم الآلات الموسيقية المحفوظة بالمركز الثقافي الدولي «إنّجمة الزهراء» بسيدي بوسعيد. كما تنص إصلاحات أخرى أكثر تقنية، ولكنها لا تقل أهمية، على وضع نظام تأمين ذاتي للمعالم والمتاحف، بهدف الحد من الاعتماد على الميزانية في مواجهة الأضرار غير المتوقعة.
رسالة موجهة إلى الجالية
بالنسبة للجالية التونسية، التي يُطلب منها غالبًا دعم مبادرات ثقافية أو تراثية في بلد المنشأ، قد يفتح هذا التطور في الميزانية آفاقًا جديدة للتعاون، خصوصًا حول الصناعات الإبداعية والشركات الناشئة الثقافية، وهي قطاعات تمثل فيها الخبرة المكتسبة بالخارج غالبًا ميزة يبحث عنها حاملو المشاريع المحليون.
ويبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا المسار في الميزانية، الذي يظل متواضعًا بالنسبة لحجم الميزانية الوطنية، سينجح في إحداث آثار ملموسة على التشغيل وجاذبية القطاع الثقافي التونسي، في سياق إقليمي تُنظر فيه إلى الثقافة بشكل متزايد كمعدن اقتصادي غير مستغل بالكامل.