هشام التواتي
بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، كشف الخطاب الملكي عن منطق اشتغال الدولة القائم على استمرارية الاختيارات الكبرى وتجدد المسؤوليات في تنزيلها. ومن هذا المنطلق، لا تبدو القضايا التي تناولها الخطاب ملفات متفرقة، بقدر ما تشكل حلقات متكاملة في مشروع وطني واحد.
«المكاسب الاقتصادية والاجتماعية تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني». بهذه العبارة، رسم الخطاب الإطار الناظم للعلاقة بين استمرارية المشروع الوطني وتعاقب المسؤوليات. فهي لا تنتقص من دور الحكومات أو المؤسسات المنتخبة، بل تحدد المجال الذي تمارس فيه اختصاصاتها. فالاختيارات الاستراتيجية للدولة ليست رهينة بولاية حكومية أو أغلبية برلمانية، لأنها جزء من مشروع وطني طويل النفس، تتراكم منجزاته عبر الزمن، بينما تتجدد الجهات المكلفة بتنزيله.
واستمرارية الاختيارات لا تعني ثبات المسؤوليات، بل تضاعفها. فالحكومات لا تُحاسب على رسم التوجهات الكبرى، وإنما على قدرتها على تحويلها إلى سياسات ناجعة ونتائج يلمسها المواطن في التعليم والصحة والإدارة وسوق الشغل. والبرلمان بدوره مطالب بأن يواكب هذا المسار بالتشريع والرقابة، بما يعزز جودة الأداء العمومي ويكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن وضوح الوجهة لا يعني سهولة بلوغها. فالتحدي يكمن في تحويل النمو الاقتصادي إلى أثر اجتماعي ملموس، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتسريع وتيرة الإصلاحات. وهنا تتجدد مسؤولية المؤسسات في التنفيذ، وفي تقييم السياسات العمومية، وتصحيح مساراتها كلما دعت الحاجة.
ولذلك، لم يكن انتقال الخطاب بين الصناعة والاستثمار والتمويل والاستحقاقات الانتخابية والسياسة الخارجية انتقالاً بين ملفات متفرقة، بل بين مكونات مشروع واحد. فالصناعة تحتاج إلى تمويل، والاستثمار إلى بيئة مؤسساتية مستقرة، والدبلوماسية إلى توسيع الشراكات، فيما تضطلع المؤسسات المنتخبة بتحسين السياسات العمومية وضمان نجاعتها. إنها مسؤوليات متعددة، لكنها تتقاطع عند هدف واحد: خدمة المشروع الوطني.
ويؤكد هذا المنطق أن التداول الديمقراطي لا يعني إعادة صياغة الأولويات الوطنية مع كل محطة انتخابية، كما أن الاستمرارية لا تعني الجمود. فالاختيارات الكبرى تظل ثابتة، بينما تتجدد المسؤوليات، ويظل النجاح رهيناً بقدرة كل مرحلة على تطوير المنجز، ومعالجة الاختلالات، وإضافة لبنة جديدة إلى ما تحقق.
ولعل أبرز ما يميز هذا التصور أنه ينقل النقاش من سؤال: «ماذا ننجز؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «كيف نضمن استمرارية ما ننجزه؟». فالدول لا تُقاس بقدرتها على إطلاق المشاريع فحسب، بل أيضاً بقدرتها على صيانتها وتطويرها وحمايتها من تقلبات الظرفية السياسية أو تغير المسؤولين. وهنا تتجلى قيمة المؤسسات باعتبارها الضامن لاستمرار العمل العمومي واستقراره.
في المحصلة، لا يدعو الخطاب إلى تثبيت المسؤوليات، بل إلى ترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل من استمرارية الاختيارات إطاراً مرجعياً، ومن تجدد المسؤوليات فرصة لتحسين الأداء ورفع النجاعة. فثبات الوجهة لا يكتمل إلا بجودة التنفيذ، وتكامل أدوار المؤسسات، وقدرتها على تحويل المشروع الوطني إلى أثر ملموس ومستدام في حياة المواطنين