في عالم أصبحت فيه العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط على السياسة والاقتصاد، برز مفهوم "دبلوماسية التضامن" باعتباره أحد أهم أدوات القوة الناعمة، حيث يسهم العمل الإنساني والاجتماعي والثقافي في بناء جسور الثقة والتفاهم بين الشعوب. وفي المغرب، تُعد الزاوية القادرية البوتشيشية من أبرز النماذج التي ارتبط اسمها بمبادرات تجمع بين البعد الروحي وخدمة المجتمع.
فعلى امتداد سنوات، حرصت الزاوية على تنظيم مبادرات اجتماعية وإنسانية شملت قوافل طبية، وحملات للتضامن مع الأسر المحتاجة، وبرامج للتكافل، إلى جانب أنشطة ثقافية وفكرية تستقطب مشاركين من مختلف دول العالم. كما شهدت مبادرات مثل "القرية التضامنية" وبرامج الدعم الاجتماعي حضورًا لفاعلين من مجالات متعددة، في إطار تعزيز ثقافة التعاون والمسؤولية المجتمعية.
ولا يقتصر دور الزاوية على الجانب الاجتماعي، بل يمتد إلى ترسيخ ثقافة الحوار والسلام من خلال الملتقى العالمي للتصوف، الذي يناقش قضايا التعايش، والعيش المشترك، والتقارب بين الثقافات والأديان، ويستضيف باحثين ومفكرين من بلدان مختلفة. وقد ركزت عدة دورات من هذا الملتقى على مفاهيم الدبلوماسية الروحية وثقافة السلام باعتبارهما ركيزتين للتواصل الحضاري.
إن هذا التداخل بين العمل الإنساني والبعد الثقافي يمنح المبادرات المدنية قدرة على تعزيز صورة المغرب دوليًا، من خلال إبراز قيم الاعتدال والتسامح والتضامن. ويُنظر إلى هذه الأنشطة على أنها تسهم في دعم القوة الناعمة للمملكة، مع بقاء الدبلوماسية الرسمية من اختصاص مؤسسات الدولة.
وتؤكد المبادرات الحديثة للزاوية استمرار هذا التوجه، عبر الجمع بين البرامج الروحية والمشاريع الاجتماعية والتنموية، بما يعكس رؤية تعتبر أن خدمة الإنسان، بغض النظر عن جنسيته أو انتمائه، تمثل أساسًا لبناء علاقات قائمة على الاحترام والتعاون.
إن تجربة الزاوية البوتشيشية تقدم مثالًا على أن التضامن ليس مجرد عمل خيري، بل يمكن أن يشكل لغة عالمية للتواصل بين الشعوب، وأداة لبناء الثقة، ونشر ثقافة السلام، وتعزيز مكانة المغرب بوصفه فضاءً للحوار والتعايش والانفتاح.
رضوان محمد قريب