في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام، يبدو أن تدبير الشأن المحلي بجماعة إنزكان لم يعد محكوما بمنطق الأولويات التنموية، بقدر ما أصبح رهين حسابات ضيقة لا تخفى خلفياتها الانتخابية.
فقرار العدول عن إعادة إعلان صفقة تهيئة المساحة الخضراء المحاذية لثانوية ابن طفيل الإعدادية، بعد إلغائها بسبب إخلال الشركة السابقة بالتزاماتها، يكشف عن اختلال واضح في ترتيب الحاجيات، ويطرح تساؤلات جدية حول معايير اتخاذ القرار.
هذه المساحة ليست مجرد أرض مهملة، بل فضاء حيوي ينبض بالحياة اليومية. موقعها الاستراتيجي بين ثلاث مؤسسات تعليمية، وإقبال التلاميذ والأسر عليها خلال فترات الاستراحة والمساء، يجعل منها متنفسا حقيقيا ومرفقا شبه عمومي يؤدي وظائف اجتماعية وتربوية لا يمكن الاستهانة بها، ومع ذلك، تم وضع هذا المشروع جانبا، وكأن حاجة مئات المستعملين لا تساوي شيئا أمام اعتبارات أخرى.
في المقابل، تم توجيه بوصلة المشاريع نحو تهيئة ساحات داخل أحياء سكنية لا تعرف، في واقعها، ضغطاً استعماليا يبرر استعجال التدخل. بل إن كثيراً من هذه الفضاءات وسط الأحياء تظل شبه فارغة، ولا ترقى إلى مستوى الأولوية مقارنة بفضاءات أخرى تعاني الإهمال والتدهور. وهو ما يفتح الباب أمام قراءة واحدة : نحن أمام قرارات تُفصّل على مقاس كسب ود انتخابي، لا على أساس تقييم موضوعي للحاجيات.
إن ما يحدث يعكس نزوعا مقلقا نحو مزاجية القرار العمومي، حيث تتحول المشاريع من أدوات لتحقيق التنمية إلى وسائل لتغذية الرأسمال الانتخابي. وهذا السلوك لا يضرب فقط مبدأ تكافؤ الفرص بين الأحياء، بل يقوض أيضاً ثقة المواطن في جدوى المشاركة وفي مصداقية المؤسسات المنتخبة.
الأخطر من ذلك، أن هذا التوجه يفرغ مفهوم السياسة المحلية من جوهره، ليختزله في منطق المزاحية واستمالة الأصوات، بدل أن يكون أداة لتحقيق العدالة المجالية والاستجابة الحقيقية لانتظارات المواطنين.
فحين يتم تهميش فضاء حيوي يخدم فئة واسعة من التلاميذ والأسر، مقابل تهيئة فضاءات أقل استعمالاً، فإن الرسالة تكون واضحة : الأولوية ليست لمن يحتاج، بل لمن يُصوّت.
إن تدبير الشأن العام لا يجب أن يُبنى على المزاج الفردي أو الحسابات الظرفية، بل على دراسات ميدانية دقيقة، وحوار جاد مع الساكنة، واستحضار فعلي للمصلحة العامة. وما عدا ذلك، يظل مجرد هدر للموارد، واستخفاف بوعي المواطنين.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحق لساكنة تراست أن تتساءل : من يحدد الأولويات؟ وعلى أي أساس تُقصى مشاريع حيوية لصالح أخرى أقل جدوى؟ وهل نحن أمام تدبير مسؤول، أم حملة انتخابية على حساب حي تراست سابقة لأوانها تُمول من المال العام؟