بقلم : محمد الشيخ بلا
في لحظة مشبعة بالمعنى، ومجبولة بروح التاريخ، استقبلت مدينة تيزنيت اليوم طائفة "إفقيرن إداولتيت" بعد جولة روحانية طويلة جابت مختلف دواوير ومداشير إقليم تيزنيت.
جولة لم تكن مجرد تنقل في الجغرافيا، بل عبورا عميقا في الذاكرة الجماعية، واستحضارا حيا لوشائج الروح التي تربط الإنسان بالأرض، والناس بالقيم، والحاضر بجذوره الضاربة في الزمن.
تحل الطائفة بالمدينة محمولة على أكتاف الدعاء، ومطرزة بخطى السالكين، بعد مسار روحي شق دروبه بين القرى والقبائل المختلفة، حيث كان الاستقبال في كل محطة فعل إيمان جماعي، واحتضانا إنسانيا يعكس عمق التلاحم بين الطائفة والساكنة.
هناك، في تلك الدواوير البعيدة والقريبة، كانت الطقوس تؤدى بخشوع، وكانت الوجوه تنصت للروح قبل السمع، وكأن الزمن يعود قرونا إلى الوراء، ليؤكد أن ما بقي صامدا لا تهزه تقلبات العصر.
واليوم، حين يعانق "إفقيرن إداولتيت" أسوار مدينة تيزنيت العتيقة، تتجلى المدينة في أبهى صورها الروحية والاجتماعية.. استقبال جماعي دافئ، تشارك فيه الساكنة بمختلف أطيافها، وتواكبه المؤسسات، وعلى رأسها مؤسسة جماعة تيزنيت بروح المسؤولية والاعتراف بقيمة هذا الإرث اللامادي.
هنا، لا يكون الاستقبال مجرد طقس احتفالي، بل فعل وفاء، وإقرار جماعي بأن هذه التقاليد ليست من الماضي، بل جزء حي من نبض الحاضر.
إنه تقليد عريق، تجاوز عمره أربعة قرون، تناقلته الأجيال أبا عن جد، لا بوصفه عادة جامدة، بل كرسالة أخلاقية وروحية، تعلم الصبر، وتغرس قيم التضامن، وتذكر بأن الاجتماع على الخير هو أقصر الطرق لحماية الهوية.
أربعة قرون من الاستمرار، في عالم تغير فيه كل شيء تقريبا، ولم يتغير فيه سوى ما كان صادق الجذور، راسخ المعنى.
سكان تيزنيت، وهم يواصلون السير على هذا المنوال، إنما يعلنون بوعي هادئ أن المدينة لا تحفظ تاريخها في الكتب وحدها، بل في الممارسة الحية، وفي استقبال الطائفة، وفي صون هذا الميراث من النسيان. هكذا تظل تيزنيت مدينة تعرف كيف تصغي لروحها، وكيف تجدد عهدها مع تقاليدها، جيلا بعد جيل، دون ضجيج، ولكن بعمق لا يخطئه البصر.
وفي هذا الاستقبال، لا تحتفي تيزنيت بطائفة صوفية عابرة، بل تحتفي بذاتها، بذاكرتها التي ما زالت حية تقاوم كل أشكال التبسيط والنسيان.
تحتفي بحكمة الأجداد وهمسهم الممتد في الأزقة والأسوار، وبروح جماعية تدرك أن ما لا يصان بالفعل يفقد مع الزمن.
هكذا تتحول لحظة استقبال "إفقيرن إداولتيت" إلى درس صامت في الوفاء للهوية، وإلى إعلان غير مكتوب بأن هذه المدينة، ما دامت تحتضن روحها قبل عمرانها، ستظل عصية على القطيعة، ومؤهلة لأن تواصل الحكاية.. تماما.. كما بدأت قبل أربعة قرون، ينبغي لها أن تستمر.