أنكونا – إيطاليا | مراسلة خاصة
شهدت مدينة أنكونا الإيطالية يوم 15 نونبر 2025 حدثًا فكريًا وسياسيًا وثقافيًا مميزًا جمع بين أفراد الجالية المغربية وفعاليات أكاديمية ومهنية، وذلك في إطار البرنامج الوطني لمنظمة المرأة الاستقلالية برئاسة الأستاذة خديجة الزومي، ومن تنظيم فرع المنظمة بإيطاليا الذي تشرف عليه الأخت مونية علالي عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال وعضو المكتب التنفيذي لمنظمة المرأة الاستقلالية، والأخت آمال الودني عضو المنظمة.
الندوة التي حملت عنوان: "المغرب الصاعد وسؤال تغيير العقليات" تحت شعار: "نبْدلو العقليات… باش نبنيو المستقبل"
لم تكن مجرد لقاء سياسي أو مناسبة احتفالية، بل تحولت إلى فضاء حيوي للنقاش واستشراف المستقبل، في تزامن رمزي مع عيد الوحدة الوطنية وما يمثله من ذاكرة جماعية ومسار مستمر لحماية السيادة وبناء الدولة الحديثة.

حدثٌ محمّل بالرسائل الوطنية
جاء اللقاء في سياق وطني يتسم بالحركية والتغيير، حيث يعرف المغرب انخراطًا تدريجيًا في أوراش الإصلاح الكبرى التي دعا إليها النموذج التنموي الجديد، القائم على ربط الثروة المادية بالثروة اللامادية وبناء الإنسان قبل البنى التحتية.

كما عكس الحضور النوعي المتكون من نساء ورجال وطلبة وفاعلين بالمهجر، وعيًا متزايدًا بدور الندوات الفكرية في خلق جسور بين الوطن وأبنائه بالخارج، وفي تحويل الجالية من مصدر تحويلات مالية إلى فاعل استراتيجي في التفكير وصناعة السياسات العمومية.

مشاركة لافتة لخبراء ومتخصصين
شاركت في الندوة ثلة من الباحثين والمتخصصين الذين تناولوا موضوع تغيير العقليات من زوايا متعددة:
سناء راكع: "التغيير يبدأ من الداخل"
افتتحت المدربة في الوعي والتطوير الذاتي سناء راكع مداخلاتها بالحديث عن تأثير طريقة التفكير في صناعة الواقع الفردي والجماعي، مؤكدة أن المغرب يمكن أن يتقدم اقتصاديًا وتشريعيًا، لكن دون تغيير داخلي في منظومة التفكير والسلوك ستظل النتائج محدودة.
وأبرزت المتدخلة الفرق بين عقلية العجز وعقلية المبادرة، مؤكدة أن الانتقال من سؤال "لماذا لا يمكن؟" إلى سؤال "كيف يمكن؟" هو بداية التحول.
ودعت راكع إلى:
إدماج التربية الوجدانية في المناهج التعليمية.
اعتماد مقاربات نفسية في التعامل مع المتعلمين.
توفير مستشارين نفسيين داخل المؤسسات التعليمية.
حسناء شهاب: من ثقافة التبرير إلى ثقافة الإنجاز
أما الأخصائية الاجتماعية حسناء شهاب فقد ركزت على أهمية ترسيخ قيم المواطنة والسلوك المدني، معتبرة أن تقدم المجتمعات يعتمد على الانضباط واحترام القانون والعمل الجاد، وليس فقط على الإمكانات الاقتصادية.
وشددت على أن الإعلام والأسرة والمدرسة مسؤولون عن إعادة بناء نموذج القدوة الذي تراجع في العقود الأخيرة، مؤكدة أن احترام الوقت، النزاهة المهنية، تقدير المال العام، ليست شعارات، بل سلوكًا يوميًا.
ياسين عثمان: حماية الطبقة الوسطى وتوجيه الاستثمارات
من جانبه، تناول المحامي والمنتخب الإقليمي ياسين عثمان البعد القانوني والاقتصادي، مؤكدا أن حضور الشركات الكبرى في السوق المغربي ينبغي ألا يتم على حساب حماية حقوق العمال أو توازن الاقتصاد الاجتماعي.
وشدد على ضرورة تعزيز التعليم والصحة كقطاعين عموميين استراتيجيين، بهدف حماية المجتمع من الفوارق الطبقية ومنطق السوق الذي قد يجعل الخدمات الإنسانية سلعة لمن يستطيع الدفع فقط.
طارق الحاج: الجالية قوة استثمارية ومعرفية صاعدة
الخبير الأكاديمي في القانون الدولي والتجارة الدولية طارق الحاج وبعد توطئة موثقة عن تاريخ اسرته الاستقلالية، تطرق لدور الجالية المغربية بالخارج، معتبرًا أنها تمثل قوة ناعمة حقيقية يمكن استثمارها في المجالات العلمية، الاقتصادية، القانونية والثقافية.
وأشار إلى أن المهاجر المغربي لم يعد مهاجرًا اقتصاديًا فقط، بل حاملًا للخبرات، واللغات، والقيم التنظيمية الأوروبية القادرة على دعم رؤى التحديث.
وسلط الضوء على تجارب ناجحة في دعم التعاونيات النسائية، مؤكدا ضرورة وضع آليات حكومية واضحة لتسهيل توجيه خبرات الجالية نحو مشاريع التنمية.
هدى ودّوش: التراث لبناء الهوية وتجديد الوعي
وفي مداخلة علمية لافتة، أكدت الباحثة في علم الآثار هدى ودّوش أن التراث المادي واللامادي للمغرب ليس مجرد ذاكرة، بل أداة لبناء الهوية المشتركة وتعزيز الانتماء.
وأشارت إلى أن المغرب بلد ذو عمق حضاري استثنائي، من الأمازيغ والفينيقيين والرومان والمرابطين والموحدين والمرينيين وغيرهم، وأن إدماج الوعي بالتراث في التعليم والسياحة والمناهج يمكن أن يحول التراث إلى قوة ناعمة وطنية ودبلوماسية عالمية.
التوصيات: خارطة طريق نحو التغيير
خلصت الندوة إلى توصيات شملت 5 محاور رئيسية:
تعزيز الوعي الذاتي وتغيير العقليات داخل النظام التعليمي.
ترسيخ قيم المواطنة والانضباط والمسؤولية المجتمعية.
تقوية الخدمات العمومية وحماية سوق العمل.
مأسسة دور الجالية المغربية في التنمية الوطنية.
إحياء التراث الوطني كرافعة للهوية والدبلوماسية الثقافية.
أجمع المشاركون على أن المغرب اليوم أمام لحظة حاسمة من تاريخه، وأن مستقبل التنمية لن يُبنى فقط بالإصلاحات الاقتصادية أو المشاريع الكبرى، بل ببناء إنسان جديد بعقل جديد...
إنسان يؤمن بالعمل، والوعي، والمسؤولية، والانتماء.
هذه الندوة لم تكن مجرد حدث، بل علامة في الطريق نحو مشروع مجتمع يسعى لأن يكون:
أكثر وعيًا، أكثر مشاركة، وأكثر قدرة على صنع المستقبل.