FR AR
شارك على :

جنديٌّ في خدمة الوطن

حين شاهدت ذلك المقطع، رأيت موظفًا يستنجد بالسدة العالية بالله وبالسيد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، خوفًا من أن يُتداول الفيديو ضده، وأن تُختزل حكايته في مشهدٍ واحد. يقول إنه وقف إلى جانب مواطنةٍ كانت تصرخ وتحتاج إلى من ينصرها؛ فبدا لي كجنديٍّ شجاعٍ في أرض المعركة، يحمل ضميره سلاحًا، ويؤدي واجبه في ميدان خدمة المواطن.
لم يكن استنجاده ضعفًا ولا خصومةً مع الوطن؛ بل ثقةً بمؤسساته ورجاءً في أن يصل صوت الميدان إلى من يسمعه وينصفه. وحين يرفع الموظف صوته إلى وزيره، فإنما يفعل ذلك ثقةً بأن صوت الميدان سيجد سندًا، وأن المسؤول سينصف من أخلص في خدمة المواطن. وإن وصفه بعضهم بـ«العياشي» لأنه استنجد بملكه، فمحبة الملك والوفاء للوطن ليسا تهمةً ولا عيبًا؛ إنهما فخرٌ واعتزازٌ يسكنان قلوب المغاربة.
وقد وجّه جلالة الملك، في خطاب العرش بمناسبة الذكرى السابعة عشرة لعيد العرش، يوم 30 يوليوز 2016، القناصلة والموظفين إلى «جدية أكبر، والتزامًا أقوى من طرف القناصلة والموظفين، في خدمة شؤون الجالية».  تلك الكلمات أمانةٌ نحملها في مكاتبنا، وفي استقبالنا للمواطن، وفي كل لحظةٍ نقف فيها إلى جانب مغربيٍّ يحتاج إلى خدمة أو إنصاف. ولن يضيع موظفٌ جعل من التوجيهات الملكية نهجًا، ومن خدمة المواطن واجبًا.
www.maroc.ma
وخلف أبواب القنصليات جنودٌ لا تُرى معاركهم: موظفون يسهرون على حاجات الناس، ويحملون ضغط الانتظار ووجع الغربة، ويبذلون من جهدهم وصحتهم كي تظل صلة الوطن بأبنائه حيّةً وقوية. ومن حق هؤلاء أن يُسمع صوتهم، وأن يجدوا السند حين يؤدون واجبهم بإخلاص. وما أقسى أن يخشى الموظف المخلص التهميش لأنه دافع عن مواطن، أو أن تُختزل حكايته في «فضيحة دبلوماسية» قبل أن تُعرف تفاصيلها كاملة. إن سمعة الوطن تُصان بالعدل، وبسماع الرواية كاملة، وبحفظ كرامة المواطن والموظف.
وقد حذّرنا رسول الله ﷺ من انقلاب الموازين، فقال: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». ولما سُئل عن الرويبضة، بيّن أنه الرجل التافه الذي يتكلم في أمر العامة. رواه ابن ماجه عن أبي هريرة،  وأستحضر هذا الحديث تذكيرًا بوجوب التثبت وسماع الأطراف، لا حكمًا على شخص بعينه.
ففي بعض بيئات العمل قد يُثقل اجتهاد الموظف على من لا يريد أن يبذل مثله، فتُنقل عنه روايةٌ ناقصة، أو تتداخل الحسابات الشخصية في تقييمه، ويجد المسؤول نفسه أمام كلامٍ لم يسمع وجهه الآخر. وقد يُهمَّش صاحب الضمير لأن شخصه لا يروق للبعض، لا لأن أمانته موضع شك. لذلك كان التثبت والإنصاف وسماع الجميع من أوجب ما تصونه المسؤولية.
يا أبناء الوزارة، يا رفقاء الأمانة في خدمة مغاربة العالم؛ إن أجمل ما يجمعنا إخلاصٌ يرفع قدر المواطن ويصون كرامة الوطن. ليكن كلٌّ منا، في موقعه، سندًا لصاحب الحق، شاهدًا بالصدق، وفيًّا للأمانة، شجاعًا في أداء واجبه. فخدمة المواطن شرفٌ نعتز به، والوفاء للوطن يبدأ من أداء الأمانة بضميرٍ حيّ.
إنها دعوةٌ إلى يقظة الضمير وخدمة الناس، وإلى أن يقول الموظف الحقيقة بمسؤولية، ضمن القانون والتسلسل الإداري. لا ينبغي للضجيج أن يطمس الوقائع، ولا للخوف على لقمة العيش أن يمنع صاحب الضمير من أداء واجبه.
مغاربة العالم لن يضيع حقهم، ما دام وراءهم ملكٌ رحيم، ووزيرٌ نبيه، وموظفٌ شجاع يقول الحق بصوتٍ عالٍ. نحن جنودٌ مجندون في خدمة الوطن، أوفياء لملكنا، مخلصون لشعبنا، ثابتون على الأمانة؛ فليعلُ صوت الحق، ولتبقَ راية المغرب عالية.
بقلمي: رجاء التوبي، عاشقة للوطن

 

Arabe
Partager sur :