FR AR
شارك على :

"صرخة كرامة" من جالية سويسرا للملك: عندما تحجز البيروقراطية جثامين مغاربة العالم وتتحدى الخطب المولوية

 

جنيف - الرباط

 

جالية سويسرا تضع "المسؤولين النائمين" في قفص الاتهام أمام جلالة الملك: مأساة "شهيدات ثلاجات الغربة" تنهي زمن الاستهتار بكرامة مغاربة الخارج

في مشهدٍ يجسد أسمى صور التلاحم بين مغاربة العالم وقضايا وطنهم الأم، وفي لحظة تاريخية فارقة، أبت الجالية المغربية المقيمة بسويسرا إلا أن تكون "الدرع الحصين" لكرامة رعايا صاحب الجلالة، أحياءً وأمواتاً. فقد رفعت هذه الجالية الأبية برقية استنجاد وتظلم إلى المقام العالي بالله، جلالة الملك محمد السادس نصره الله، واصفةً واقعاً مريراً تعيشه جثامين مغربيات عالقة في ثلاجات الغربة بدولة الإمارات، وفي ظل مفارقةٍ غريبةٍ بين خطب ملكية تحث على خدمة المواطن، وبين واقعٍ يطبعه الجمود في الخارج والتعقيد المسطري في الداخل.

صرخة من "قلب سويسرا" لتراب الوطن: وثيقة كرامة ومكاشفة وطنية
لم تكن هذه البرقية مجرد سردٍ لوقائع إدارية أو خلل عابر، بل كانت وثيقة كرامة مكتوبة بمداد الغيرة الوطنية و مكاشفةً حارقة وضعت النقاط على الحروف أمام المقام العالي بالله. لقد كشف مغاربة سويسرا، بتفاصيل دقيقة يندى لها الجبين، عن مأساة جثامين مواطنات مغربيات (ندى، منال، سلمى، وسناء) اللواتي تحولن من حالات إنسانية تستوجب الرحمة إلى رهائن في يد بيروقراطية قاتلة، وحُرمن من حق الدفن الكريم لشهور طوال.
لقد جهرت الجالية بسويسرا بمعاناتها المريرة وصدمتها من جدار الجفاء الذي اصطدمت به داخل بعض الإدارات الترابية والتمثيليات الدبلوماسية، حيث تحول استصدار شهادة عوز بسيطة إلى معركة استنزاف، مِمّا حوّل فجيعة الموت إلى قهرٍ مضاعف للأهالي المكلومين. إنها صرخةٌ مدوية انطلقت من قمم جبال الألب لتصل إلى رحاب المشور السعيد بالرباط، معلنةً بملء الفم أن كرامة المغربي لا تسقط بانتهاء أنفاسه، بل هي حقٌّ مقدس لا يقبل المساومة، يمتد من نبض الحياة إلى عتبة الممات.

تعرية "المسؤولية الضائعة" وفتح أفق المحاسبة
بجرأة وطنية منقطعة النظير، وضعت البرقية النقاط على الحروف، مسميةً الأشياء بمسمياتها، فمن 'شطط السلطة الذي مارسه مسؤولون بإحدى المقاطعات بالدار البيضاء، وصولاً إلى 'السبات الدبلوماسي الذي طبع أداء تمثيلياتٍ ببعض دول الخليج، رسمت الجالية خارطة طريق للمحاسبة الملكية . إنها مواجهةٌ صريحة مع كل من ائتُمنوا على خدمة الشعب فقصّروا في الأمانة، وتجرأوا على قهر أسر مكلومة تواجه مصيرها في أشد لحظات انكسارها.

مبادرة صندوق التكافل: من رصد الخلل إلى البناء الوطني القوي
أروع ما في هذا الحراك الوطني هو تجلي الروح المغربية الأصيلة التي لا تكتفي برصد الخلل، بل تبادر بالحل؛ فالجالية بسويسرا لم تكتفِ بتعرية التقصير، بل قدمت رؤيةً استراتيجيةً نابعةً من عمق قيم التضامن، عبر مقترح إحداث صندوق ملكي لتكافل الجالية.
لقد أعلنت الجالية بوضوحٍ تام أنها رهن الإشارة، ومستعدةٌ لضخ مساهماتها المادية المباشرة، ليكون هذا الصندوق بمثابة 'صمام أمان' يحفظ كرامة المغاربة في أقسى لحظات الفقد، ويضمن ألا يُترك مواطنٌ وحيداً في ثلاجات الغربة. وهي رسالةُ وفاءٍ صريحة تجسد شعار: 'نحن جنود جلالتكم بمالنا وجهدنا'، شريطة أن تُدار هذه الموارد بـ 'شفافية مطلقة' وتحت إشراف أطر وطنية نزيهة، لقطع الطريق نهائياً على كل من تسول له نفسه الاستهتار بموارد التضامن الوطني.
وفي سياقٍ متصل، شددت الجالية على ضرورة تفعيل دورٍ تأطيريٍ رائد للسفارات والقنصليات المغربية عبر العالم؛ وذلك عبر إطلاق حملات توعوية مكثفة لتأطير مغاربة الخارج حول أهمية تأمينات الوفاة، وتوفير الدعم الإداري والاستشاري اللازم، لضمان حماية استباقية ووقائية لكل مواطن مغربي أينما حل وارتحل.

في انتظار الالتفاتة المولوية الحازمة

إن برقية جالية سويسرا هي أكثر من مجرد تظلم؛ إنها 'اختبارٌ للضمير المهني والوطني لكل مسؤول ائتُمن على قضاء حوائج الناس. لقد أثبت هؤلاء المواطنون الأوفياء أن المسافات لا تباعد القلوب، وأن "تمغربيت" هي رباطٌ مقدس لا ينفصم، وقوةٌ ناعمة تقف سدّاً منيعاً في وجه كل تقصير.

إن ما بسطته الجالية المغربية بسويسرا بين يدي جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لم يكن مجرد جردٍ لوقائع أليمة، بل هو بيانُ كرامةٍ ومكاشفةٍ وطنية يضع بعض المسؤولين دبلوماسيين وإداريين أمام مرآة تقصيرهم الصادم. إن هذا النداء الصادح من قلب أوروبا يؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الوقت قد حان لتفعيل المبدأ الدستوري السامي والخالد: (ربط المسؤولية بالمحاسبة).

إن دماء الغيرة الوطنية التي سالت في أسطر هذه البرقية تستوجب وقفةً حازمةً لقطع دابر الاستهتار بكرامة رعايا جلالته الأوفياء، وتطهير المسار الإداري من شوائب 'البيروقراطية القاتلة' التي تجرأت على قهر المواطن حتى في أشد لحظات انكساره أمام الموت. فكرامة المغربي، كما رسمها جلالته، ليست شعاراً للمناسبات، بل هي أمانةٌ مقدسة لا تقبل التهاون، ومن قصّر في حفظها فقد خان ميثاق الثقة الملكية والشعبية على حد سواء.
اليوم، يتطلع مغاربة العالم إلى كلمة الفصل من حامي الملة والدين، الذي كان دوماً الملاذ الأخير والمنصف لكل مظلوم. فهل ستكون هذه البرقية هي الشرارة التي تُصحح المسار الإداري والدبلوماسي وتطهره من كل أشكال التهاون؟ المؤشرات تقول نعم؛ فصوت الجالية عندما يمتزج بدموع الأمهات المكلومات، لا بد أن يُحدث التغيير المنشود ويضع حداً لاستهتار المستهترين بالمسؤولية.


إن التاريخ سيسجل لجالية سويسرا هذه الوقفة التاريخية؛ وقفةُ عزٍّ لم تطلب جاهاً ولا منصباً، بل طلبت 'ستراً ودفناً وكرامة' لبنات وطنهم. إنه الوفاء في أرقى تجلياته، والمواطنة الحقة في أبهى صورها.

Partager sur :