FR AR
شارك على :

قراءة في التحولات في التعبئة السياسية وإعادة التموضع الحزبي في المغرب في نماذج ما قبل الانتخابات - إقليم تنغير نمودجا-

قراءة في التحولات في التعبئة السياسية وإعادة التموضع الحزبي في المغرب في نماذج ما قبل الانتخابات - إقليم تنغير نمودجا-

على غرار تجربة "شباب التغيير" إبان الاستعدادات للانتخابات سنة 2021؛ طالعتنا في وسائط التواصل الاجتماعي مبادرة لمجموعة من الفاعلين السياسيين على مستوى إقليم تنغير تروم تأسيس إطار تحت مسمى "تحالف الكرامة"، وذلك في سياق التحولات التي يعرفها الفعل السياسي في المغرب بشكل عام، وعلى مستوى إقليم تنغير بشكل خاص، لاسيما في هذه الفترة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية، باعتبارها أنماطًا جديدة من التعبئة تتجاوز الأطر الحزبية التقليدية، خصوصًا مع صعود الفضاء الرقمي كفاعل مؤثر في تشكيل الرأي العام. وتبرز في هذا السياق مبادرات تحمل شعارات قيمية مثل “التغيير” و”الكرامة”، وتُقدَّم كبدائل أو امتدادات للعمل السياسي.
غير أن تحليل هذه المبادرات يطرح إشكالية مركزية:
هل تعكس هذه الحركات دينامية مستقلة للفعل السياسي، أم أنها تندرج ضمن استراتيجيات إعادة التموضع داخل الحقل الحزبي؟
للإجابة عن هذه الإشكالية، نعتمد مقاربة تحليلية تستلهم من نظريات التعبئة السياسية، وإعادة الاصطفاف الحزبي، والتأطير الرمزي.

أولاً: حدود التعبئة غير المؤطرة سياسيًا – قراءة في ضوء نظريات الحركات الاجتماعية:

تشكل تجربة “شباب التغيير” التي ظهرت قبيل انتخابات 2021 نموذجًا لما تصفه أدبيات علم السياسة بـالحركات الاجتماعية غير المؤسسية.  غير أن نجاح هذا النوع من الحركات الاجتماعية يرتبط بقدرتها على بناء موارد تنظيمية وشبكات تعبئة مستدامة، وليس فقط على الخطاب.
وهكذا يمكن التأكيد على أن الحركات التي لا تستثمر في تنظيم داخلي قوي تجد صعوبة في الاستمرار، خاصة في السياقات الانتخابية التي تفرض إيقاعًا تنافسيًا سريعًا.
في هذا الإطار، يمكن تفسير مآل “شباب التغيير” من خلال:
1- غياب بنية تنظيمية صلبة من حيث ضعف الموارد.
2- غموض الاستراتيجية السياسية
وهشاشة الهوية الجماعية بحيث أنه لا يوجد انسجام حقيقي داخل الحركة بحيث أن كل فرد فيها يبحث لنفسه عن مقعد نيابي محدد، بمعنى أن سقف طموح المجموعة محكوم سلفا برؤية شخصية لا بمصلحة جماعية.
كما أن ما حدث يعكس غياب الفعل الجماعي حيث يميل الأفراد إلى اتخاذ قرارات فردية عندما تغيب الحوافز التنظيمية القوية، وهو ما أدى إلى تفرق الأعضاء نحو أحزاب مختلفة.
وعليه، فإن هذه التجربة تؤكد أن الخطاب القيمي، رغم أهميته، لا يمكن أن يعوض غياب التأطير المؤسسي.

ثانياً: التعبئة كآلية لإعادة التموضع – مقاربة في نظريات الحقل الحزبي والتأطير الرمزي.

إنه على النقيض من تجربة شباب التغيير، يمكن فهم مشروع “تحالف الكرامة” من خلال مقاربتين نظريتين متكاملتين:
1). نظرية الحقل السياسي وإعادة التموضع:
إنه من منطق أن الحقل السياسي هو فضاء تنافسي يسعى فيه الفاعلون إلى إعادة توزيع مواقعهم وفق ما يمتلكونه من رأسمال سياسي ورمزي.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة تأسيس “تحالف الكرامة” كاستراتيجية تهدف أساسا إلى:
أ- إعادة بناء الرأسمال الرمزي بعد التفكير في الانفصال عن الحزب.
ب- تحسين الموقع داخل الحقل السياسي عبر إيجاد بديل أو بدائل تستجيب لقوة التفاعل والتطور الذي يعرفه الفعل السياسي.
ج- تهدف المجموعة أساسا إلى التفاوض على موقع أفضل داخل حزب جديد بعدما تأكد لها انعدام أي جدوى في الاستمرار في الحزب الذي تتواجد فيه.
وهذا ينسجم مع أدبيات إعادة الاصطفاف الحزبي التي تشير إلى أن الفاعلين السياسيين يعيدون تموضعهم خصوصًا قبيل الانتخابات لتدعيم فرصهم في النجاح على أنقاض الحزب أو الأحزاب التي ينتمون إليها والتي لا تترك لهم الفرص المناسبة واللازمة التي تتلاءم مع طموحاتهم.
2. نظرية التأطير 
وفق هذا الاتجاه فإن الفاعلين السياسيين يستخدمون الأطر الرمزية لإعادة تعريف مواقفهم أمام الجمهور.
وفي هذا الإطار، يشكل استعمال مفهوم “الكرامة” مدخلا لمجموعة من التصورات التي تضمن قبول المجتمع.
أ- فهي إطارً تأطيري يمنح الشرعية الأخلاقية باعتبار أول.
ب- كما أنها تعتبر أداة لإعادة تفسير الانفصال عن الحزب السابق.
ج- وكذا وسيلة لتقديم الانتقال السياسي كخيار مبدئي لا تكتيكي
د- كما أن إنشاء “تحالف” يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـإعادة التغليف السياسي، حيث يتم تقديم نفس الفاعلين ضمن سردية جديدة أكثر جاذبية.

إن المقارنة بين “شباب التغيير” و”تحالف الكرامة” تكشف عن انتقال من نموذج التعبئة غير المؤطرة إلى نموذج التعبئة المؤطرة استراتيجيًا.
ففي حين أظهرت التجربة الأولى حدود العمل خارج المؤسسات، تعكس الثانية وعيًا أكبر بقواعد الحقل السياسي وآليات إعادة التموضع داخله.
وبالاستناد إلى نظريات الحركات الاجتماعية والحقل السياسي والتأطير الرمزي، يمكن القول إن هذه التحولات لا تعكس فقط تغيرًا في الخطاب، بل تطورًا في تقنيات الفعل السياسي، حيث أصبح التحكم في الصورة والانتقال لا يقل أهمية عن الموقف السياسي نفسه.
وعليه، فإن تحليل هذه الظواهر يقتضي تجاوز ظاهر الشعارات نحو تفكيك البنيات والاستراتيجيات، بما يعزز بناء وعي نقدي قادر على فهم الديناميات العميقة للممارسة السياسية المعاصرة.

إذا كان سياق ظهور التجربتين واضح، بحيث تؤطره التحولات الاجتماعية والسياسية في الفترات التي تسبق الانتخابات، فإن دراسة الاستراتيجيات والٱفاق يلفها شيء من الغموض، الذي يربط انكشافه وتوضح الصورة مع ما سيكشفه مرور الأيام وتوالي التحركات التي سيقوم بها أعضاء التحالف، ومدى قدرتهم على استقطاب فاعلين جدد مما سيمكنهم من التفاوض ومن مركز القوة على أي حزب يرغب في ضمهم بشكل ينسجم مع طموحاتهم.

Partager sur :