مجال مكونة أو الزمن التنموي المهدور :
بقلم : الحسن فسكاوي — متصرف تربوي ومهتم بالشأن المحلي بإقليم تنغير
1: لقاء في مراكش .. وشاهد من أهلها
في إطار سلسلة النقاشات الفكرية والمعرفية التي تحتضنها مراكش ، كان لنا يوم الجمعة العاشر من أبريل 2026 موعدٌ مع ضيف من طينة نادرة؛ مناضل شريف وفاعل سياسي جمعوي وحقوقي، شابٌّ واعٍ نشأ في بيئة عنيدة تقاوم التغيير وتتحدّاه: إنه أحمد المنصوري، ابن قلعة مكونة وصوتها الحر.
2 : مكونة .. ملتقى الأودية ومفترق الأحلام
تقع قلعة مكونة عند التقاء وادَي مكونة ودادس، لتكون بذلك المصبَّ التجاري والاقتصادي لأهل المنطقة. أسّسها المستعمر عام 1929 مركزاً للتحكم والإدارة والهيمنة، فإذا بها بعد مرور أكثر من خمسين عاماً على استقلال المغرب لا تزال تحمل إرث ذلك التأسيس، غير أن الهيمنة تبدّلت وجهها: من هيمنة استعمارية إلى هيمنة انتخابية، ومن تحكّم أجنبي إلى تحكّم محلي لا يقلّ وطأةً.
تحيط بمكونة حقول الورد الشهيرة، وتعبق تربتها بأريج يبلغ الآفاق، غير أن روائح مجاري التطهير السائل تزكم أنوف أطفال مؤسستين تعليميتين محاصَرتين بين جمال الطبيعة وقبح الإهمال. تكسو المدينةَ تجاعيدُ الأيام وتؤثّثها الحفر المنتشرة، شاهدةً صامتةً على اهتراء البنيات التحتية واستسلام الإرادة الجماعية.
3 : أحمد المنصوري .. حكاية طفل المدينة المنسية :
نشأ أحمد يشقّ دروب مدينة كان قدرها المبيَّن هو التطبيع مع الفوضى والصمت المريب. كان يخرج من مؤسسته التعليمية يتأبط محفظته وقلبه ممتلئ بالأمل، فيرى عن يساره قصبةً تربّعت على تلّة تخفي في أحشائها ماضياً مثقلاً بالاعتقال السياسي، فترتجف منها فرائصه. وعن يمينه، في اتجاه الجبل، ينتصب حيٌّ خلفي جافته التنمية وظلّ ينمو في الظلّ، بعيداً عن أنوار الحياة الكريمة، يحتضن ما تُفرزه الهشاشة من رذيلة مقيمة ومتجذّرة .
يمشي أحمد فتمشي معه حكاية التنمية المؤجّلة؛ مجال يسير بإيقاع بطيء تكبحه قوى متسلطة لا تريد له أن ينهض.
مفارقة الورد .. جمال للعرض وجرح للأيدي
حين يمرّ أحمد في الشارع الوحيد الذي يخترق مدينته، تصطفّ أمامه حافلات السياح القادمين إلى مهرجان عمّر طويلاً دون أن يترك أثراً تنموياً حقيقياً. تنتشر دكاكين الورد الكيميائي كالفطر في المواسم، تبيع المستحضرات الوردية لزوّار لا يعرفون ما وراء الواجهة .
لكن أحمد يعرف. يعرف أمّه التي تنحني كلّ فجر فوق الأشواك لتقطف الورد الطبيعي مقابل دريهمات قليلة، فيما رسمت الأشواك على يديها الكريمتين خطوطاً من خدوش وجروح لا تمحوها أيّ جائزة مهرجانية.
البلدية .. أسئلة الجد وإجابات الفشل
عرج أحمد إلى مقرّ البلدية، فاستحضر صورة جدّه التاجر المكوني الكريم الجوّاد الحكيم، ذاك الرجل الذي كان يحكي له عن حكامة أهل مكونة وعن عزّتهم في تدبير شؤونهم. وكان لسان حال أحمد يطرح أسئلة موجعة عن التدبير الجماعي المفلس، وعن فشل المجالس المتعاقبة في صياغة تنمية حقيقية لمجال جغرافي تليد، غنيٍّ بموارده لكنه فقير في حكامته.
أحيدوس .. هوية صامدة في مواجهة الفراغ
في ساحة مكتظة، توقّف أحمد ليشاهد فرقة أحيدوس وقد تحلّق حولها الناس، يستعيدون في إيقاعاتها قصص الانتماء الرمزي والثقافي والفني إلى مجال غنيٍّ بتراثه اللامادي العريق. كانت الفرقة وكأنها تقول: نحن هنا، لم نمُت بعد، رغم كل شيء.
4: من فوق التلة... مدينة فقدت هويتها
صعد أحمد إلى التلة الأخرى لينظر إلى مكونة من فوق، فرأى مساحات غير مهيكلة، وأوساخاً منتشرة، وعمارةً مضطربة أفقدت المدينةَ هويتَها وطمست معالم ذاكرتها المعمارية. مدينة تمسّخت ملامحها وفقدت معانيها النبيلة، كأن لا أحد يعرف ما يريد لها أن تكون.
5: احمد السياسي الناضج ،الاقتناع الأخير... الفعل هو الحل :
عندئذٍ اقتنع أحمد المنصوري اقتناعاً راسخاً بأن الفعل السياسي الميداني والمرافعة الصادقة هما السبيل الوحيد لانتشال هذه المدينة من أوجاعها المتراكمة. مدينة لم تنعم بحقوقها كاملةً يوماً، كأنها وُلدت لتموت، كأنها وُجدت لكي يرحل عنها أهلها طعماً سائغاً لكل أشكال الفساد والإهمال.
مكونة ليست قضية جغرافية، إنها قضية ضمير.
نقاشات مراكش الفكرية — أبريل 2026