" محمد مزهوري مدير الدراسات القدوة رجل صنعته القيم وصقلته التجربة "
*****************
بقلم : الحسن فسكاوي متصرف تربوي
في زمن باتت فيه القدوة عملةً نادرة، يبقى اسم الأستاذ محمد مزهوري، مدير الدراسات بالثانوية محمد السادس التقنية بمراكش، نجماً مضيئاً في سماء منظومتنا التربوية، ومثالاً حياً على أن الإدارة التربوية فن وعلم ورسالة في آنٍ واحد.
1 _من أبزو إلى مراكش.. مسار يروي حكاية وطن:
وُلدت شخصية هذا الرجل الاستثنائية في أحضان مجال أبزو الجميل، تلك البقعة الأصيلة العريقة التي تشكّل همزة وصل حضارية وثقافية وبيئية بين مجال الجبل ومجال السهل. فمن ربوع هذا المجال العتيق، استمد محمد مزهوري جذوره الراسخة وبنى معدنه الأصيل. فقد علّمه والده رحمه الله تعالى — بقدوته قبل كلامه — أصولَ الأمانة ومعاني الحكمة وعزيمة البناء وجودة العمل والتدبير الجماعي، لتظل وصاياه منهلاً لا ينضب يرتشف منه في كل محطة ومنعطف.
ثم رسّخت تلك الأرض الأصيلة في وجدانه قيم الالتزام والوطنية الصادقة، فانخرط مبكراً في العمل الجمعوي الجاد البنّاء، في احترام عميق للساكنة وتقدير وافٍ لمجهود كل الفاعلين المحليين.
2 - المناضل الذي آمن بالمدرسة العمومية:
لم يكن محمد مزهوري يوماً رجل أوراق ومكاتب فحسب، بل كان ولا يزال مناضلاً صادقاً، صهرته المحاضن النضالية الكبرى. فمن رحم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب خرج مناضلاً باسم فصيل رفاق الشهداء، ومن مدرسة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي — أحد روافد المدرسة الاتحادية الأصيلة — اكتسب وعياً سياسياً متقداً وكاريزما قيادية أصيلة، جعلت منه مدافعاً شرساً عن حقوق الأستاذ وضامناً للزمن التربوي المفعم بالعطاء لفائدة أجيال الغد.
وقد حمل هذا الإيمان معه حين اشتغل أستاذاً للغة الإنجليزية في مجال بني ملال (السبت ولاد النما)، ثم حارساً عاماً بثانوية تفاريتي في مجال أبزو، مقدّماً لبلدته أجمل ما أوتي من طاقة إبداعية وشغف حقيقي، قبل أن تشده دروب الأقدار نحو مدينة المليون نخلة.

3- مراكش .. المدرسة الكبرى لرجل استثنائي:
حين حلّ سي محمد بمراكش، لم يكن كثيراً أن تُدهش المدينةُ الحمراء به، فهو الذي استمد قوته من الأطلس وحكمته من أبزو ونضاله من مدارس السياسة والحركة الحقوقية. وفي رحلته المراكشية المتوهجة، تشكّلت شخصيته الإدارية في أكثر من محطة:
في ثانوية ابن عباد التأهيلية تعلّم أصول العمل الإداري القوي على يد معلمه الكبير الأستاذ سيدي حميد الخديم، فأحكم الأسس ورسّخ القواعد.
ثم انتقل إلى ثانوية محمد المسيرة الخضراء ناظراً للدروس، فاكتسب حساً إدارياً تشاركياً رفيعاً.
ليرسو أخيراً في ثانوية محمد السادس التقنية مديراً للدراسات، حيث أبدع إلى جانب مديرها المحنك الأستاذ عبد الرحيم بوسوس في صياغة نموذج تربوي متميز يجمع بين صرامة التدبير وإنسانية التواصل.
4 - قبل الفجر.. حين يسبق المعلمُ الضوءَ:
ما يلفت النظر في شخصية سي محمد أنه يُطبق في صمت ما يعجز عنه كثيرون في صخب. فهو الذي يُسبق الفجرَ إلى مقر عمله، يُهيئ عدّته، يرسم خطته اليومية ويضع برنامجه التربوي، قبل أن يدلف إليه زملاؤه وتلاميذه. ذلك الحضور المبكر ليس مجرد التزام وظيفي، بل هو تعبير عن علاقة وجدانية عميقة بالمدرسة العمومية، يراها مشتلاً حاضناً للتكوين ومصنعاً حقيقياً للأجيال.
يُضاف إلى ذلك إتقانه النادر لفن التواصل، وإلمامه الراسخ بالجوانب القانونية المؤطِّرة للعمل التربوي، فضلاً عن إبداعه في إنتاج مهنية محترفة تجمع بين النشاط الدائم والغيرة القوية على المدرسة.
5- : فخرٌ بفريق وثقةٌ في مستقبل:
يفتخر سي محمد مزهوري بالطاقم التربوي الذي يعمل تحت مسؤوليته؛ أساتذة أكفاء مبرَّزون يساهمون بشغف حقيقي في تأطير الطلبة الحاملين للباكالوريا في أربع شعب تقنية متميزة. وهو إذ يحمل ابتسامته التي لا تفارق محياه، يحمل معها رؤية واضحة وشعاراً ثابتاً: الجودة والمسؤولية والكفاءة والطموح في خدمة التلميذ والأستاذ معاً.
خاتمة .. شكر وامتنان ودعاء
6-: في ختام هذه الكلمات التي لا تُوفي الرجلَ حقه، نُعبّر عن أصدق مشاعر الشكر والامتنان والتقدير لهذا المربي الصادق والإداري الكفء، الذي جعل من منصبه رسالةً لا وظيفة، ومن مؤسسته منارةً لا مبنى.
نحني لك هامة الاحترام يا سي محمد، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لك في مسارك، وأن يديم عليك التوفيق والسداد، وأن يحفظ زوجتك الكريمة عماد بيتك ومصدر سكينتك، وأن يُنشئ أبناءك على القيم الأصيلة التي نشأتَ عليها، وأن يجعل مستقبلهم مضيئاً كمستقبل رجل آمن بالعلم وعمل له في صمت وإخلاص.
"وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب"