بقلمي: رجاء التوبي – عاشقة للوطن
سطر تمهيدي:
ليست كرة القدم مجرد نتيجة على اللوحة، بل اختبار للوعي، وللقدرة على احترام النجاح، والحفاظ على قيم التضامن الإفريقي، حتى عندما يقترب بلد ما من القمة.
ليست كرة القدم مجرد لعبة تُحسم بنتيجة، ولا مباراة تُطوى بانتهاء صافرة الحكم. أحيانًا تتحول إلى اختبار حقيقي لوعينا الجماعي، ولمدى قدرتنا على تقبّل الاختلاف، واحترام النجاح، والحفاظ على جوهر القيم التي نتغنى بها. المباراة الأخيرة بين المنتخب المغربي والمنتخب السنغالي لم تكن استثناءً، بل لحظة كاشفة لما قيل علنًا، وما كُتب خفيةً… لما جرى فوق الملعب، وما انكشف ما بين السطور.
على المستطيل الأخضر، كانت المنافسة شرسة ومتكافئة، وكل منتخب دافع عن ألوانه بكل ما يملك، وهذا جوهر الرياضة وروحها. لكن خارج حدود المباراة، بدأت حكاية أخرى، أكثر تعقيدًا، كشفت أن كرة القدم لا تُظهر فقط المهارات، بل تفضح أحيانًا ما نُخفيه من مشاعر ومواقف.
كرة القدم… مرآة لا تجامل
كرة القدم لا تخلق الحسد ولا تزرع الحقد، لكنها تملك قدرة عجيبة على كشفهما. فعندما ينجح بلد إفريقي في التنظيم، أو يقترب من منصة التتويج، تتغير نبرة الخطاب لدى بعض الأصوات. يتحول الإنجاز إلى مادة للتشكيك، ويُختزل التفوق في الحظ أو التحكيم، وكأن الاعتراف بجهد الآخر
انتقاص من الذات.
ما بين السطور، لم يكن الجدل كله حول ركلة جزاء أو قرار تحكيمي، بل حول صعوبة تقبّل فكرة أن النجاح قد لا يكون حكرًا على جهة بعينها
داخل البيت الإفريقي الواحد.
حين يُستدعى اسم إفريقيا… ثم يُغيب
كثيرًا ما نرفع شعار “إفريقيا واحدة”، لكن الامتحان الحقيقي لهذا الشعار لا يكون في لحظات الاتفاق، بل عند الاختلاف. حينها يظهر التناقض: دعم مشروط، وتضامن انتقائي، وخطاب يتبدل بتبدل النتيجة.
إفريقيا ليست كلمة للاستهلاك العاطفي، ولا راية تُرفع عند الحاجة فقط، بل قيمة أخلاقية تتجلى في احترام نجاح الآخر، والاعتراف بحقه في الفرح، مهما كان اسمه أو موقعه.
لو رُفعت الكأس… ماذا كان سيحدث؟
لو أن المنتخب المغربي هو من رفع الكأس بيديه في تلك الليلة، لتغيرت الرواية سريعًا. كانت ستُستدعى كل التفسيرات الجاهزة: الأرض، الجمهور، التنظيم، وربما النوايا. وكأن الفوز لا يكون مستحقًا إلا إذا جاء من خارج دائرة الضوء.
لكن الحقيقة التي لا تحتاج إلى تبرير، أن المغرب فاز قبل أن تُسلَّم الكأس؛ فاز بالصورة التي قدّمها، بالهدوء، بالانضباط، وبقدرته على تحويل المنافسة إلى حدث مشرّف. فرفع الكأس لحظة عابرة، أما هذا النوع من الفوز فيبقى راسخًا في الذاكرة.
وما بين السطور، لم يكن القلق لدى البعض من خسارة لقب، بل من فكرة أن يعتلي منتخب إفريقي المنصة بثقة، دون ضجيج، ودون حاجة لشرح أحقيته.
عتاب بهدوء… يحفظ الكرامة
ومن باب العتاب المسؤول، لا الاتهام، كان يُنتظر من بعض الأصوات، خاصة القريبة جغرافيًا وثقافيًا، أن تكون أكثر اتزانًا في خطابها. فالنقد حق، لكن دون تجريح، والاختلاف مشروع، لكن دون شماتة. فالرياضة لا تُفسد الود، إلا إذا أفسدنا نحن معناها.
هذا العتاب ليس ضعفًا، بل حرصٌ على علاقة صحية بين شعوب يجمعها تاريخ واحد، وتحديات مشتركة، ومستقبل لا يُبنى إلا بالاحترام المتبادل.
حين يتخفى الحسد في ثوب التحليل
الحسد لا يأتي دائمًا صريحًا، بل يتسلل عبر كلمات محسوبة، وتحليلات تبدو عقلانية، لكنها ما بين السطور تحمل فرحًا بسقوط الآخر، وصمتًا عن نجاحه. والخطر هنا لا يكمن في الرأي، بل في ما يزرعه من انقسام داخل قارة تحتاج اليوم إلى الوحدة أكثر من أي وقت مضى.
خاتمة
ستنتهي هذه المباراة كما انتهت غيرها، وستُحفظ نتيجتها في الأرشيف، لكن ما سيبقى فعلًا هو الدرس:
إما أن نرتقي بالرياضة إلى مساحة وعي واحترام، أو نتركها مرآة لخطابات لا تشبه القيم التي ندّعيها.
ويبقى السؤال، مكتوبًا ما بين السطور لا بين الأهداف:
هل نؤمن بإفريقيا كقيمة مشتركة، أم نحبها فقط عندما تكون على مقاسنا؟