الحمد لله الذي بيده الملك، يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، لا ليميز بين عباده بالجاه، بل ليختبرهم بالعدل. جعل التفاضل سرًّا لا يُرى بالعين، بل يُوزن بالتقوى… لكن، يا الله، كم شوّه الإنسان هذا الميزان.
لم يعد التفضيل عند كثيرٍ من الناس امتحانًا، بل صار امتيازًا يُستعرض.
لم تعد المكانة مسؤولية، بل تحوّلت إلى رخصةٍ للاستعلاء.
في واقعنا اليوم، لم يعد الظلم دائمًا صريحًا… بل صار أنيقًا، مغطّى بالألقاب، محميًّا بالمناصب. ترى المسؤول يتحدث عن “الخدمة العامة” وهو في الحقيقة يخدم مصالحه، وترى صاحب النفوذ يتكلم عن “القانون” وهو أول من يلتف عليه. أصبح البعض لا يرى في الناس إلا درجات: من يُجامل يُرفع، ومن يضعف يُسحق.
يا رب،
لم يعد التكبر سلوكًا معيبًا عند البعض، بل صار أسلوب حياة.
يتحدثون عن أنفسهم كأنهم صُنّاع الأقدار، وينسون أنهم خاضعون لها.
يمشون في الأرض وكأنها مُلكهم، ويغفلون أنها ستبتلعهم يومًا بلا استئذان.
الأخطر من ذلك…
أن هذا الاستعلاء لم يعد فرديًا، بل أصبح ثقافة.
ثقافة تُربّي الناس على الصمت أمام الظلم، وعلى تبرير الفساد، وعلى الخوف من قول الحق.
ثقافة تجعل الضعيف يشعر أنه يستحق ضعفه، وتجعل القوي يظن أن طغيانه دليل نجاح.
في التصوف، يُقال إن أكبر حجاب بين العبد وربه هو “رؤية النفس”.
وهؤلاء… لم يكتفوا برؤية أنفسهم، بل عبدوا صورتها.
فصار المنصب عندهم مرآةً للغرور، لا أداةً للإصلاح.
وصارت النعمة لعنةً خفية، ترفعهم في أعين الناس، وتُسقطهم في ميزان الحق.
يا سيدي ومولاي،
إن شياطين الإنس اليوم لا تُخيف بصراخها، بل بصمت الآخرين عنها.
ولا تَكبر بقوتها فقط، بل بضعف من حولها.
فأيّ مجتمع هذا الذي يصفّق للمتكبر؟
وأيّ زمن هذا الذي يُكافئ المتسلّط ويُهمّش المتواضع؟
وأيّ وعيٍ هذا الذي يقيس قيمة الإنسان بما يملك، لا بما يكون؟
الحقيقة التي تُزعجهم…
أن كل علوٍّ بلا تقوى هو سقوطٌ مؤجل.
وأن كل يدٍ امتدت لتقهر غيرها، ستُسأل يومًا: بأي حق؟
ليس الخطر في أن يوجد الظالم…
بل في أن يعتاد الناس عليه.
وفي النهاية،
لن ينفع منصب، ولن تشفع مكانة،
وسينكشف كل وهمٍ أمام عدلٍ لا يُخدع.
هناك فقط،
سيُعرف من كان عبدًا لله…
ومن كان عبدًا لنفسه.
بقلم: رجاء التوبي – عاشقة للوطن