قراءات سوسيولوجية وفلسفية للهجرة المغربية في أوروبا

اختتم مجلس الجالية المغربية بالخارج مشاركته في المعرض الدولي للنشر والكتاب بندوة فكرية حول موضوع الهجرة المغربية في أوروبا : إسهام متبادل وقراءات متعددة، بمشاركة نخبة من المفكرين والأكاديميين.

جيسير يتساءل عن عمق الشعور الوطني لدى شباب الهجرة

J11 TR 3 VINCENT

في مداخلة له خلال هذه الندوة تساءل الباحث والأكاديمي الفرنسي المتخصص في الهجرة والعالم العربي فانسون جيسر، عن تشبث الأجيال الجديدة المنحدرة من الهجرة المغربية بمغربيتها حتى وإن لم يسبق لها أن عاشت في المغرب، معتبرا أن الشعور الوطني المغربي تطور في العقود الثلاثة الأخيرة ليشكل هوية يمكن تبنيها على مقاس الشخص من خلال مجموعة من العناصر مشتركة وذات الاستعمالات المختلفة في نفس الوقت.

وأكد جيسير على أنه طيلة فترة اشتغاله على الهجرة المغربية تفاجأ بمدى الارتباط الروحي لأجيال الشباب المنحدرة من الهجرة المغربية وافتخارها بوطنها الأم بالرغم من بعد المسافات، وهي ظاهرة تفرض نفسها على الباحث لأنه في الغالب يتم اندمج أبناء المهاجرين بشكل كلي ويفقدون كل ارتباط ببلدهم الأصلي.

وقدم رئيس تحرير مجلة « الهجرات والمجتمع » تقسيما تاريخيا للهجرة المغربية من ثلاث مراحل أساسية؛ بحيث تبدأ المرحلة الأولى من بعد الاستقلال ويمكن اعتبار المغربي قد بقي مغربيا أينما كان، وسيطرت على هاته المرحلة ثقافة الوداديات والوطنية المفروضة « بالرغم من أن الأبحاث السوسيولوجية تظهر أن بعض الأسر المهاجرة تبنت خطاب الوطنية بعيدا عن رغبة النظام في السيطرة على الجالية » يقول جيسر قبل أن يضيف أنه في هذا السياق كان هناك تصور شبه منغلق يعتبر أن ازدواجية الانتماء تعتبر بمثابة خيانة للوطن والدين.

أما المرحلة الثانية في تحليل جيسير فتعود إلى السبعينات حيث طبعت بسياق الصراع بين مجموعات سياسية ونقابية مع السلطة، وقد تشكلت مجموعات نقابية وعمالية في بلدان الهجرة كفرنسا مثلا، حيث تأسست أول جمعية نقابية هي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب؛ وتميزت هذه المرحلة أيضا ببداية الابتعاد عن الأفكار السابقة حول علاقة المهاجر بوطنه الأصلي، وتأسست لدى بعض المهاجرين  صورا عن الهوية الأوروبية وبدأوا يأخذون مسافة مع المغرب من أجل تدشين مسار الاندماج في بلدان الإقامة عبر الاستقرار والزواج وإنجاب الأطفال، والعودة في العطل إلى المغرب.

أما المرحلة الثالثة وفق مداخلة فانسون جيسير فقد بدأت مع بروز الأجيال جديدة، وهي مرحلة الانتماء المزدوج والافتخار بهذه الازدواجية، وهذا الأمر ليس تجاوزا للرموز الوطنية بل تجذر الهويتين الوطنية والأصلية بشكل كلي ومتكامل، وبلورة الشعور بالانتماء الثالث إلى الجهة المنحدر منها أو المقيم بها؛ وهنا تكمن حدود المقاربة السوسيولوجية التي اعتقدت أن العيش في بلد الاستقبال والارتباط به والزواج فيه يساهم في نسيان البلد الأصلي، يخلص الباحث الفرنسي.

خالد حاجي وجدلية الأخذ والعطاء 

J11 TR 3 HAJJI

أما الدكتور خالد حاجي، الأمين العام للمجلس الأوروبي للعلماء المغاربة، فقد تطرق في مداخلته إلى جدلية التمييز بين الأصيل والدخيل في الحضارات والثقافات، والتركيز على ما يعطي الإنسان للآخر أكثر وإغفال ما يأخذ.

واستنبط حاجي في طرحه الإشكالي من فلسفة ابن خلدون الذي أسس فلسفيا جدلية لأخذ والعطاء من خلال الحديث عن دينامية الاستعجام والاستعراب وهما مكمن قوة الحضارة؛ وفسّر الدكتور خالد حاجي هذا الطرح بالقول إنه حين يكون هناك تواصل بين الداخل والخارج تضل الحضارة قائمة، وحين تقف عن الأخذ والعطاء يحصل نقص ووقوف في تاريخها، الأمر الذي يلحقه الانهيار والفساد.

ولتجسيد نموذج هذه الجدلية في السياق المعاصر أكد المتحدث ذاته  أن تركيز اليمين المتطرف في أوروبا على الهوية الأوروبية الخالية من الشوائب وكأن الأخر لا يعطي، هو أمر بعيد عن الحقيقية ويساهم في التراجع الفكري لأوروبا، لأن المهاجرين لمغاربة مع مرور الوقت أصبحوا يتشبعون بالثقافة الأوروبية ويطمحون لتوسعة ذواتهم ويشعرون ان لهم رصيد معرفي وروحي وفكري ينتمون إليه، إلا أن هناك حدودا تمنع خروجه إلى الكونية، مما يجعلهم يلبسون رصيدهم الفكري لباسا أوروبيا ليخرج لمضمار العالمية.

ودعا الأمين العام للمجلس اأوروبي للعلماء المغاربة، الإنسان المغربي في الغرب للاجتهاد للتوفيق بين الانتساب للإسلام وبين الانتماء لبيئة جديدة عصرية، والتصدي لأفكار اليمين المتطرف الذي يخيّر الإنسان المغربي بين الانسلاخ عن هويته بشكل كلي أو الخروج من أوروبا.

المرابط ولعبة المرايا في أوروبا بين الذات والآخر

J11 TR 3 MORABIT

أما الدكتور مصطفى المرابط فقد خصص مداخلته الفلسفية إلى دراسة الذات والآخر في أوروبا، باعتبارها في نظره مختبرا يغري على المتابعة.

وقد انتقد المرابط إقصاء الدراسات الاجتماعية لجانب مهم وعدم تنتباهها إلى إشكالية التلاقي بين ذوات مختلفة، والسعي الدائم إلى طرح السؤال حول كيفية استيعاب الأخر ودمجه وإذابته في الداخل  فقط، من دون الانتباه إلى أن هذه الذات تحمل ميراثا ثقيلا فيه ما هو فكري، مما جعل هاته الدراسات تتعامل مع الأخر المختلف بما هو ذهني وعقلي ولم تتعامل معه في إنسانيته.

واعتبر رئيس مركز مغارب للدراسات والأبحاث في الاجتماع الإنساني أن  أوروبا تعطي فرصة لمعاينة هذا اللقاء بين حضارتين مختلفتين، ومعايشة هذه الظاهرة يساعد على الفهم والمناقشة، مؤكدا على أهمية التفاعل الذي يحفزه هذا اللقاء بين الذات والأخر، وهو تفاعل إما إيجابي أو سلبي إما يجعل من الثقافة الأصلية حصنا يفصل عن الأخر، أم يجعل منها جسورا تفصلنا عن الأخر؛ وهو ما فسره باختيار الاتصال أو اختيار الانفصال.

العنصر الثاني الأساسي في هذا التلاقي بين الذات المهاجرة والأخر المستقبل في تقدير الدكتور المرابط هو السياق، الذي يعتبر محفزا يوجه عملية التفاعل، وقد يحدث تركيبا تنتج عنه ثقافة ثالثة لا هي بالأصلية ولا الجديدة، « وهنا تتشكل معالم الشخصية الجديدة التي تمنحها لنا الهجرة في المجتمعات الأوروبية » يضيف.

واسترسل مصطفى المرابط تصوره لعلاقة المهاجرين المسلمين بالسياق الأوروبي، بالتركيز على فكرة لعبة المرايا، التي تجعل الذات  تكتشف نفسها عبر الأخر الذي قدم لها نفسه كمرآة وبالتالي هناك إعادة بناء الذات من خلال الأخر؛ وشدد على أن الآخر الذي صنع شخصيته في غياب الشخصية القادمة من العالم الإسلامي اكتشف ذاتا مختلفة ساءلته في قيمه الثقافية والاجتماعية والقوية، وجعل قيمه التي كان يعتقدها كونية لا تبدو كذلك لأنها لا تشمل هذا الطرف الخارجي؛ ليخلص إلى أن  أوروبا تشكل فرصة للمسلمين، والمسلمون يشكلون وفرصة لاوروبا ليكون كل واحد مراة الاخر لأنه لا يمكن أن تكون هناك ذات بدون الآخر ولا آخر من دون الذات.