بوصوف يغوص في مخاضات الهجرة والتغيرات الجيوسياسية بالعالم‎

يبــدو أنـنا نعيــش مرحلــة "مخاض سياسي" كبير سيُغيــر من طبيعة الخريطة الجيوسياسية العالمية الراهنـة، وسيُـمثــل عــلامة "الـقطيعة" مع كل التراكمات السياسية والاقتصادية والأيديولوجية والحقوقية التي طبعت المراحل السابقة.

وقـد ساهمت العديــد من العوامل في نـقْـل هــذا المخاض أو الرغبة في ولادة نظام عالمي جديــد من حاجة ذهنية وفكرية وتصريحات سياسية (في إطار حملات انتخابية) إلى مرحلة التعبير عنه على أرض الواقع، وهــو الأمر الــذي اعتبره البعض زلــزالا سيــاسيا حمل معه العديــد من "التراجُعات" أو الانتكاسات على مستـوى الــعديد من المكتسبات القانونية والحقوقية العالمية من جهة، وكــذا العديــد مـن "المُراجعات السياسية" على مستوى العديــد من الاتفاقيات أو المعاهدات الدولية، قــلبت معادلات السياسات الـدولية في العديـد من الملفات ذات البُعد الاستراتيجي.

وقد رافـق هـذا "المخاض" استهلاك إعلامي غيـر مسبوق للعديد من المصطلحات ذات البعد السياسي والــوقْـع النفسي، من قبيــل الحمائيـة والوطنية وحماية الحدود من الهجرة غير الشرعية وإعادة النظر في قـانون دوبـلـن للجـوء... وغيرهـا من الـشعارات التي تضمنتها بــرامج الحملات الانتخابيــة الأخيرة ك "فــرنسا أولا" أو "أمريكـا أولا" أو "بـريطانيا أولا".

وهي شعارات بـنكهــة أدبيــات أحزاب اليمين واليمين المتطرف، الـتي عرفت امتدادا تـاريخيا داخل المجتمعات الغربية بتــأثير من الأزمة الاقتصادية وكذا موجات الهجرة الجماعية، وطبعــا بتــأثير من الضربات الإرهابية بطابع ديني. وهو ما سهل فـــوز أحزاب اليمين واليمين المتطرف في أكثر من بلـد، وخاصة في بلـدان أوروبا الـشرقية المناهضة للهجرة واللجوء كـ "فيكتور أوربان" بهنغاريا، و"سيباستيان كورز" بالنمسا، مثلا.

وستـتجه أنظــار العالــم إلى دونالد ترامب، الساكــن الجديـد للبيت الأبيض، الـذي رفـع شعــار السياسـة الحمائيـة وتـقييـد الهجرة غير الشرعية كأحد معالــم برنامجه الرئاسي؛ إذ ســرعان ما أصدر "مرسومـا تنفيـذيـا" أسبوعــا فقـط بعد تنصيبه رئيســا لأمريكا، أي في 27 يناير 2017، يـمنع بموجبـه مـواطني سبعـة دول إسلامية من دخـول أمريكـا، وهو الـقرار الـذي أثـار موجه كبيرة من الاستنكـار والانتقـاد وصل إلى القبضة الحـديـديـة بيـن الـقضاء الفيدرالي والرئيس الأمريكي، بالإضافة إلى استنكار قــوي من طرف فعاليات حقوقيــة ومهنية وإعلامية وأكاديمية مرموقـة.

دونالــد ترامب سيُـدخل المحلليـن والمراقبيـن إلى ـدائـرة الـتشويـق من خلال إعادة فـتـحه للعديد من الملفات الاستراتيجية التي تمثـل مفاتيــح النظام العالمي الحالي، باعتماده على بــراعته في التواصل الــرقمي وكــذا على تاريخه في الإنتــاج التلفزيوني، لـيُـدخل العالــم في "قاعـة انتظار" كبيـرة في انتظار الجديـد من "فـرقعاتـه الـسياسية".

وقد شمل التشويــق أيضا تعــدد الملفات المفتوحة في وقت واحد، مع تغيير في الاستراتيجيات والأولويات وتغييــرات في عناصر فـريـق عـملـه.

فـلا نكـاد نستوعب إعـلان تـرامب عن رفضه لاتفـاقية باريس الخاصة بالبيئـة أو بنائـه للحائط الحدودي مع المكسيك، حتى تـنقـلنـا تحقيقات الصحافة الأمريكية إلى حالـة قُـرب تحقيـق القضاء مع تـرامب في قضية "روسياغيت"، أو حتى حجب الثـقـة عنـه.

لنحبس أنفـاسنا بعد إعـلانه عن الـقـدس عاصمة لإسرائيـل، في سابقـة تاريخية، وسط استنكـار عالمي وتصويت الجمعية العمومية للأمم المتحدة يــوم 21 دجنبر 2017 برفض قـــرار تــرامب بشـأن الــقدس.

لـترتفع دقـات قـلـوب المتتبعين بإعلانـه عن الخروج من الاتفاق النووي مع إيــران، الذي تــم بمقتضاه رفــع العقوبات عن طهران مقابــل الـتزامها بوقـف أنشطتها النوويــة.

مسلسل تـرامب من التشويق سيستمر بتهديده بالخروج من مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، وبـانسحابه من منظمة اليونيسكــو، وبـرغبته في عــودة روسيـا إلى مجموعة الكبـار بمناسبة انعقــاد مؤتمر السبـع الكبار بكنـدا في 9 يونيـو 2018، وبإعلانـه عن بـدايــة "الحرب التجارية" بمراجعتــه للتعريفات الجمركية، ســواء مع الدول الغربية أو مع الصين، وفي الـوقت نفسه، يـلتـقي مع "كيم جونغ اون"، زعيـم كــوريا الشمالية، بسنغافـــورة في 12 يونيو 2018، بعد تـراشق إعلامي وتبـادل للتهديد النـووي حتى ظـن العالـم أنـه على وشك حرب نـوويـة.

في ظـل هـذه الأجواء التي تـشبه "الانقلاب" على كل مقومات وتـراكمات النظام العالمي الحالي، يشعـر تيــار اليمين واليمين المتطرف بأوروبا بنوع من التفوق في مواجهة التيارات السياسية الأخرى الــداعية إلى سياســة الانفتاح على الهجرة وأيضا إلى اعتماد توزيع المهاجرين في شكل حصص على دول الاتحاد الأوروبي وإبقــاء "روسيـا بوتين" على مسافة بعيدة من مجموعة جي 7 والإبقـاء على العقوبات الاقتصادية منـذ "أزمة الـقـرم"، بالإضافة إلى تمسكها بالاتفاق النووي الإيراني، مما جعل المسافة بين "أمريكا ترامب" وحـلفائها الأوروبيين تـزداد اتسـاعـا، عـمقتهـا مُطالبـة تـرامب لأوروبا بــزيادة مساهمتها في تمويـل أنشطة "النــاتـو".

ويبـدو أن تــرامب يسحب العالـم إلى نظام عالمي جديد بخريطة سياسية جديدة وبأولويات جديدة وبقيـادات تملك سلطة اتخاد القـرار كبوتين (روسيا)، و"شي جين بينغ" (الصين)، وفيكتور اوربان (هنغاريا)، وكيم جونغ (كوريا الشمالية)، وغيرهم من الـقادة اليمينيين كسالـفيني ودي مايو من إيطاليـا.

ويكفي أن نــذكــر بأزمة باخــرة "اكـواريوس" التابعة لمنظمتي "أطباء بلا حدود" و"إس أو إس ميديتيرانيو" لـنقف على حجم التغيير في معالجة ملف الهجرة بأوروبا بعقلية جديدة، وكيف تم الــزج بحوالي 629 مهاجرا والمغامرة بحياتهم في تصفية حسابات سيـاسية بين دول الاتحاد الأوروبي؛ إذ كاد الأمـر أن يتطور إلى أزمة ديبلوماسية بين إيطاليـا وفرنسا وتبادل الاتهامات بينهما بعــد إعــلان "ماتيــو سالفيني"، وزير الداخلية الايطالي، عن سياسـة الموانئ المغلقة أمــام بواخر الإنقـاذ التابعة للمنظمات غير الحكومية، بعدما لم يكن الأمر كذلك في عهد حكومات اليسار أو وسط اليمين السابقـة .

ونُـذكر هنـا أيضا أن كل من فكتور أوربان وفيسغراد وسالفيني وسيباستيان كروز وماري لوبان وترامب يتبنـون الرؤية نفسها في معالجة ملف الهجرة واللجوء.

لكن إعـلان بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة الإسبانية، عن استعداده لاستقبال "اكواريوس" في 17 يونيو بميناء مدينـة فالانسيا لم يشكل نهاية الأزمة، بـل بـداية صراع مع المنظمات غير الحكومية والجمعيات الحقوقية العاملة في مجال الهجرة، وترسيخا لأزمة ملف الهجرة داخل أروقة بروكسيل حيث الحاجة إلى تبني سياسية أوروبية موحدة لـملف الهجرة واللجوء تُـراعي الجانب الإنساني على الجانب الأمني، وتنتصر لـقيم التضامن الإنساني.

إن الحلقـة المهمة في معالــم الخريطة الجيوسياسية القــادمة تتــوقف على نتائــج الانتخابات الأوروبية ليونيو 2019 التي بدون شك ستتأثـر بالتغييرات السياسية الداخلية، وخاصة زحف اليمين المتطرف واكتساح الانتخابات المحلية، وكذا متغيرات العلاقات الدولية، خاصة البريكسيت، ومسألة إيرلندا الشمالية وهشاشة التحالفات الحكومية في كل من ألمانيا وإسبانيا و"العقـد الحكومي" بين حركة خمسة نجوم وحزب العصبة بإيطاليــا، وأزمة حكومة اليونان بعد اتفاقها مع مقدونيا على تغيير اسم الجمهورية اليوغسلافية السابقة إلى اسم جمهورية مقدونيا الشمالية، مما يمهد أمامها الطريق للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والناتـو.

من جهة أخرى، ففـــوز اليمين المتطرف بانتخابات يونيـو 2019 يعني تغييـرا في هــرم مؤسسات القرار داخل الاتحاد الأوروبي، كالمفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي ومحكمة العدل الأوروبية وأيضا مؤسسة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، ويعني من جهة أخرى تغييرا جذريا في أدبيات الاشتغال على ملفات كبرى لها علاقة قويـة بالمصالح الاستراتيجية للمغرب، كملف الهجرة والمهاجرين والإرهاب والتعاون القضائي والأمني وملف الصيد البحري والتبادل التجاري، وخاصة ملف الصحراء المغربية.

لــذلك، فمتابعتنا لكل تفاصيل التغيير بأوروبا، وحرصنا على رصد مفاصل السياسات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية في العــالـم، يــدخل في دائـرة الاستعداد للمرحلة القـادمة والتكيـف مع طبيعة أولوياتها الجديــدة، ويشكل مقـدمـة لــدراسة مختلـف الشخوص الفـاعليـن فيها.