mardi, 07 mars 2017 06:29

لطيفة أيت باعلا.. الشوكة التي أدمت حلق "البوليساريو"

Écrit par 

لها قدرة كبيرة على "اصطياد العذوبة من ملح البحر" كما يقال، لأنها تعلَّمت أن الاستحالة تسقط إذا كانت في حرب مفتوحة مع إرادة من فولاذ. إنها الناشطة الجمعوية الذائعة الصيت لطيفة أيت باعلا التي تحولت، قبل حوالي سنتين، إلى شوكة في حلق الانفصاليين بشريطها "البوليساريو.. هوية الجبهة"، مع المخرج حسن البوهروتي، إذ تمكنت، عبر شهادات ووثائق نادرة، من فضح "المقولات المزورة" لزعماء تندوف. كما استطاعت باقتدار كبير أن تحاضر حول الصحراء المغربية في اللجنة الرابعة للأمم المتحدة بنيويورك، وأن تفضح ممارسات قيادة البوليساريو من قبيل "الاتجار في البشر" و"سرقة الإعانات الدولية".

 

إن لطيفة أيت باعلا، ابنة حي لارميطاج بالبيضاء، مغربية حتى النخاع، وتحلم دائما بمولد ضحكة تبزغ من الصحراء. فهي صحراوية، سليلة "تيكنا" من قبائل "آيت بعلا". وهذا جزء لا يتجزأ من هويتها التي لا تذكره إلا لماما، لأنها في المقام الأول مغربية تفتخر بالهوية المتعددة للمغاربة، لأنها مصدر غنى ثقافي وحضاري.

غادرت لطيفة المغرب في سن الرابعة، بين حقائب والدها في يناير 1970. وتكاد لا تتذكر من هذه الفترة أي شيء. فوالدها كان يشتغل في ميناء الدار البيضاء، ثم قرر مغادرة المغرب نحو فرنسا عندما قرر رب عمله الفرنسي أيضا مغادرة البلاد. كانوا ثلاثة أطفال، أصغرهم كان عمره لا يتعدى شهرين. ومنذ ذلك الحين نمت الأسرة إلى أن وصلت إلى خمس بنات وخمسة أولاد. وكانوا سيصيرون 11 لولا أن توفيت ماريا رحمها الله، في سن 6 أشهر. في البيت، كانت عائلة لطيفة مثل شركة صغيرة، كان لكل واحد دور يقوم به. وكان رأسمال والدها هو قدرته على العمل، وعلى الإقناع. وهذا ما نجح والدها في تمريره إلى كل أطفال الأسرة: تقديس قيمة العمل والمسؤولية. استقر الوالدان، أولا في "هوت سافوا" بفرنسا، حيث أنهيا بناء منزل العائلة قبل 30 عاما، وكانا هما المغربيان الوحيدان اللذين يملكان مسكنا بذاك الحي، وهو المسكن الذي مازالت تتردد عليه لطيفة من وقت لآخر للترويح عن النفس. خاصة وأن المنطقة الجبلية التي تحيط بها تشتهر بكثبان الثلج التي تصلح لممارسة رياضة التزلج. لقد "كان لدينا دائما علاقات جيدة جدا مع الجيران. وكان الاحترام المتبادل دائما وأدمجت بشكل كامل"، تقول لطيفة. وكان الوالدان يوليان اهتماما بالغا لتمدرس الأبناء، حيث شجعاهم على إنهاء دراساتهم الجامعية. وهو ما نجح فيه أغلبهم، بل استطاعوا الحصول على منح دراسية، فيما يبلي البلاء الحسن أولئك الذين لم يستطيعوا الاستمرار في الجامعة، ومنهم أخ يشتغل الآن رئيس مقاولة.

أما لطيفة، فقد اختارت الدراسات القانونية التي تنسجم مع شخصيتها، لأنها كانت مفتونة بشيء اسمه العدالة، كما تقول عن نفسها. حصلت لطيفة على إجازة في القانون الخاص، وعلى ماستر في قانون الأعمال، شعبة القانون الدولي من جامعة غرونوبل، كما حصلت على دبلوم الدراسات العليا في القانون الأوربي من جامعة جنيف، وعلى دبلوم الدراسات المعمقة في دراسات النوع (جنيف). كما كانت مستشارة سياسية لدى الوزير رئيس جهة العاصمة البلجيكية بروكسيل، ومستشارة لدى برلمان بروكسيل، ومستشارة المجموعة الفرنسية لدى البرلمان، ومستشارة لدى مجلس النواب البلجيكي، وفي البرلمان الأوروبي. وهي منخرطة بالكامل في الحياة السياسية الأوروبية والبلجيكية (رشحت للبرلمان الأوروبي في عام 2004 و 2014). وتتوفر لطيفة على خبرة طويلة في مجال إنشاء مجموعات الضغط "اللوبيات"، لا سيما وأنها قدمت خبراتها لـ"اللوبي النسائي الأوروبي"، ولمنتدى مهاجري الاتحاد الأوروبي أو للجنة الكاثوليكية الدولية للهجرة. إنها ليست فقط على دراية بعمل المؤسسات الأوروبية، ولكنها تتوفر على خبرة كبيرة حول عمل الأمم المتحدة (بما في ذلك المشاركة في أعمال لجنة حقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان واللجنة الرابعة في نيويورك)، بالإضافة إلى النضال من أجل تعزيز حقوق المرأة (دراسة الحواجز القانونية لإدماج المرأة المهاجرة في سوق العمل في أوروبا)؛ اندماج المهاجرين في أوروبا (دراسة عن "50 عاما من سياسات الهجرة الدولية"). وتشارك لطيفة أيضا في تعزيز تحرك المغرب في الفضاء الأورو- متوسطي والإفريقي.

كما أنها دعت مبكرا إلى عودة المغرب إلى الاتحاد الافريقي. وكانت نعم المدافع المتحمس إلى تعميق العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب. ونجحت لطيفة أيت باعلا في شن حرب الأرقام التي يستغلها قادة البوليساريو من أجل الحصول على المساعدات، حيث نظمت العديد من المؤتمرات واللقاءات الصحفية، كما وفرت معلومات نادرة حول الصحراء، وحول ثرواتها، وحول ما ينجزه المغرب من مشاريع. وكان ما يحركها هو تلك الألياف الممتدة داخلها لتذكرها أنها بنت الصحراء، وأنها مشبعة بتلك الروحانية التي تنطلق من أغنية جيل جيلالة "العيون عينيا".

تقول لطيفة: "بعد فترة تدريب في الأمانة العامة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في جنيف، شاركت في أعمال لجنة حقوق الإنسان (تسمى الآن مجلس حقوق الإنسان)، وتأكدت بأن هناك سوقا حقيقية لحقوق الإنسان حول قضية الصحراء. وهو الوضع الذي خلف لدي صدمة، خاصة إذا كنت تحمل فكرا مثاليا! لذلك حاولت أن أفهم كيف تم جر المغرب إلى هذه الوضعية. وحين ولجت البرلمان الأوروبي. ها هنا مرة أخرى، وقفت على نفس السيناريو مع البوليساريو التي ترتدي الأحذية، لتمشي في أروقة ومكاتب وقاعات الندوات، وتبني "لوبي" شامل. وللأسف، لم أكن ألاقي أي تجاوب هناك! كان هذا هو الإحباط الذي أثار في نفسي الرغبة في اختبار قدراتي على تقديم مساهمتي في القضية الوطنية. أدركت أن المسألة معقدة، ولكن هذا لم يكن أبدا عقبة. فبدلا من ذلك، سعيت إلى فهم خصوصيات قضية الصحراء وعمومياتها على جميع المستويات، وعلى وجه الخصوص على مستوى الشرعية الدولية".وهكذا، وضعت لطيفة شيئا فشيئا استراتيجية لـإنشاء لوبي يدافع عن مغربية الصحراء. حيث بدأت تحضر اللقاءات التي تنظمها البوليساريو في بروكسيل، ثم شرعت في وضع العالم السياسي أمام تطورات القضية، وكذلك الأكاديميين ووسائل الإعلام والمجتمع المدني من خلال سلسلة من الأنشطة التي بدأت تنظمها ببلجيكا وغيرها، فضلا عن الاتصالات والنشرة نصف الشهرية التي تنتجها. وكانت لطيفة أيت باعلا من الأوائل الذين دعوا إلى عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي وذلك بعد أن عززت موقعه الاستراتيجي على الساحة الأفريقية من خلال الزيارات الملكية التي قام بها الملك محمد السادس. حيث سبق لها أن قالت إن: "إفريقيا تحتاج للمغرب والمغرب بحاجة إلى التطور في جزئه الإفريقي. ومن المؤكد أن العثور على حل سياسي في هذا السياق الجديد ينبغي أن يتم من خلال اختفاء الكيان من تلقاء نفسه داخل الاتحاد الإفريقي".

ومع أن العمل على واجهة خط النارالديبلوماسية مع الخصوم ليس سهلا، فإن لطيفة أيت باعلا، وانطلاقا من إيمانها بعدالة القضية الوطنية، وانطلاقا من إصرارها الكبير على التحرك في كل الواجهات من أجل كسب مزيد من المساحات التي كان يشغلها نشطاء البوليساريو، فإنها لا تؤمن باستحالة وضع السلاح والتخلي عن المعركة. وكل حاجز تعتبره اختبارا لإمكانياتها، رغم الإرهاب الفكري الذي تتعرض له بين الفينة والأخرى. فقد كانت هناك محاولات كثيرة غير ناجحة للقضاء عليها سياسيا، في بلجيكا، وفي البرلمان الأوربي. كما كانت هناك محاولات كثيرة لإعدامها مهنيا، ليس فقط من طرف الخصوم، بل وحتى من بعض "ذوي القربى المغاربة !" الذين نصبوا لها عبثا الكمائن لثنيها عن المضي في مواجهتها مع خصوم الوحدة الترابية. و المفاجأة أن المخابرات البلجيكية بنفسها دخلت هي الأخرى على الخط والتمست رفض تمتيع لطيفة أيت بعلا بالجنسية البلجيكية بدعوى الحفاظ على أمن الدولة (انظر الإطار رفقته).

(حين اصطفت المخابرات البلجيكية ضد المدافعين عن مغربية الصحراء

بتاريخ  7نونبر 2012 وجهت الاستخبارات البلجيكية رسالة إلى وكيل الملك ببروكسيل تعترض فيه على منح الجنسية البلجيكية للناشطة لطيفة أيت بعلا. وهذا التدخل الإستخبراتي لم يكن هو الأول، بحكم أن نفس المصالح الأمنية سبق وأن اعترضت على منح لبطيفة الجنسية البلجيكية عام 2009.

المثير في الرسالة أن المخابرات البلجيكية لم تستند على ما يمثل تهديدا للأمن العام البلجيكي ( إرهاب ، مخدرات ، تكوين عصابة دولية أو ما شابه ذلك)، بل ارتكزت على كون لطيفة أيت بعلا تعد أحد الكوادر الدينامية والنشيطة في "التجمع العالمي لمغاربة المهجر" والمعروفة بدفاعها المستميت على المصالح المغربية ببلجيكا وخاصة مواقف لطيفة المؤيدة بقوة لمغربية الصحراء (حسب رسالة المخابرات).

ومن حسن حظ لطيفة أنها اختارت الاستقرار العائلي والمهني والسياسي ببلجيكا التي تحظى بسلطة قضائية مستقلة فعلا. إذ بعد مارطون قضائي دام ما يزيد عن عامين، انتصر القضاء البلجيكي لملف لطيفة وتم ردم رسالة المخابرات البلجيكية ردمة نهائية بتمتيع ابنة حي لارميطاج البيضاوي بالجنسية البلجيكية عام 2014، مما مكنها من الترشح في انتخابات البرلمان الأوروبي في نفس العام بألوان الحزب البلجيكي     

(Le Mouvement Reformateur

 

كما تم حرمانها من الترشح للانتخابات أكثر من 3 سنوات، وكانت تناضل لوحدها ضد كل التيارات التي تعاكس توجهها المغربي، بل إن مجموعة من السلط المغربية لم تخرج لنصرتها أمام القضاء البلجيكي خاصة أن القضية تحمل رائحة سياسية مرتبط بنشاطها الداعم لمغربية الصحراء.

ومع ذلك تظل لطيفة أيت بعلا مقتنعة أن الدفاع عن الصحراء المغربية ليس أمرا سهلا، بحكم أن الملف تم تلغيمه طوال 40 سنة من طرف الخصم الجزائري، وهو ما يجعلها تقتنع بوجوب اعتماد منظور شمولي لقلب معادلة الخصم التي ظلت دوما تعتمد، أي المعادلة، على الرشوة وعلى شراء الذمم.

وبداية قلب معادلة الخصم تبدأ من صياغة رؤية تكون واعية باستحضار مغاربة العالم وأهمية الدور الذي يمكن أن يلعبوه في هذا الإطار عبر تجاوز النظرة التحقيرية للمهاجرين، وتبني مقاربة بيداغوجية تقطع مع الممارسات السابقة وتوظيف الطاقات الحية في صفوف مغاربة الخارج، والمدركة لرهانات ملف الصحراء وإنصافها في التعيينات في مناصب المسؤوليات العمومية المهمة ليضع مغاربة العالم بصمتهم على الملف.