mardi, 03 janvier 2017 10:00

المغرب يفتح الباب أمام "البنوك الإسلامية" .. مسلسل دام ثلاثين سنة

Écrit par 

يُعد المغرب من الدول المتأخرة جدا التي فتحت مجالها للمؤسسات المصرفية الإسلامية. والجدير بالذكر أن أولى إرهاصات الاقتصاد الإسلامي والمالية الإسلامية في بلدنا اكتست الطابعين الجمعوي والإعلامي، وذلك بارتباط وثيق مع الجامعة. وسرعان ما أفرزت هذه الجهود أولى محاولات تأسيس العمل المصرفي في المغرب، إلا أن الرحلة بدت طويلة وشاقة، أكثر مما كان ينتظر.

 

لم يتم فتح المجال للعمل المصرفي في المغرب نتيجة الصدفة ولا نتيجة المحاكاة للدول الإسلامية الأخرى فقط، ولكن نتيجة عمل دؤوب متعدد الأطراف والجهات. وإن فتح هذه الأبواب جاء محتشما في 2007 في حلة المنتوجات البديلة التي أرستها دورية بنك المغرب، ثم اكتمل في 2015، وهو تتويج لمسلسل طويل، تعتبر بدايته تقديم أول طلبات إنشاء بنك إسلامي في بلدنا إلى البنك المركزي في سنة 1985؛ وذلك من لدن مجموعتين دوليتين كل منهما على حدة، هما دار المال الإسلامي ومجموعة دلة البركة التي تحول اسمها إلى مجموعة البركة، وهي شريكة اليوم في إنشاء بنك البركة التشاركي المغربي مع البنك المغربي للتجارة الخارجية.

وموازاة مع هذه التحركات الأولية، فإن الاهتمام بموضوع الاقتصاد الإسلامي في المغرب أصبح يتنامى لدى الأوساط الجامعية والمهنية على حد سواء؛ فكان، إذن، إنشاء الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في الاقتصاد الإسلامي في ربيع 1987، كمبادرة من أساتذة جامعيين ومهنيين ورجال أعمال. والجدير بالذكر أنه إزاء تجاهل الدوائر المغربية الرسمية لطلبات إنشاء فروع لبنوك إسلامية دولية، لم تكن أسرة العلماء في المغرب آنذاك في منأى عن قضية المعاملات المصرفية وعلاقتها بالشريعة؛ فإن مقالا منشورا في مجلة "دعوة الحق" سنة 1981، في عددها 216، يطلعنا أن الدورة السنوية للمجلس العلمي الأعلى لسنة 1402 هـ قد تقرر في جدول أعمالها تداول موضوع التعامل المصرفي "ومن بين القضايا التي يمكن أن تعرض على المجلس العلمي الأعلى قضية المعاملات البنكية في العصر الحاضر". هذا إلى جانب موضوع الزكاة، حيث يشير المقال نفسه إلى "ما سبق أن راج ذكره حول الزكاة وإمكانية جمعها على يد الدولة من الأغنياء لدفعها إلى مستحقيها طبقا للقانون المالي". وقد نشر في مجلة "دعوة الحق"، في عددها 222، مقال بعنوان "الحاجة إلى إنشاء مصرف إسلامي بالمغرب" يشير إلى اهتمام علماء المغرب ودعاته وبعض رجال الأعمال فيه بموضوع البنوك الإسلامية. "ففي المؤتمر العالمي الاقتصادي الإسلامي الذي انعقد بمكة المكرمة في فبراير 1976 كان المغرب ممثلا بالدكتور المهدي بن عبود والدكتور إبراهيم دسوقي أباظة اللذين قدما للمؤتمر عرضا قيما بعنوان: "البنوك الإسلامية بين النظرية والتطبيق"، كما مثل المغرب في المؤتمر الثاني المنعقد بإسلام أباد في أبريل 1981 كل من الدكتور إبراهيم دسوقي أباظة والحاج ميلود الشعبي اللذين تدخلا تدخلات إيجابية فيما يرجع إلى "كيفية توظيف رؤوس الأموال الإسلامية في مشاريع استثمارية بعيدة عن شبهة الربا".

وامتدادا لهذا الزخم الإعلامي والجامعي، بدأ الاهتمام بالبنوك الإسلامية يدب في الوسط المصرفي، حيث تم الاتصال بي سنة 1989 من لدن بنك الوفاء، ممثلا في مديره العام عبد الحق بناني وكاتبه العام عبد الحميد المرابط، وبإيعاز قوي من مؤسسه ورئيسه المرحوم مولاي علي الكتاني، الذي أعتبره بحق رائد المصرفية الإسلامية في المغرب والذي كنت أوافيه باستمرار بأخبار الجمعية وأخبار البنوك الإسلامية في العالم. وكان الغرض من الاتصال إعداد ملف فتح شبابيك مصرفية إسلامية لدى بنك الوفاء، متضمنا لنماذج العقود التمويلية، والتنظيم الداخلي والمسطرة الإعلانية.

وهكذا، شهد المغرب أول محاولة لإدخال المعاملات المصرفية الإسلامية في سنة 1989، باسم بنك الوفاء المغربي. كانت مبادرة بنك الوفاء تجارية وليست سياسية أو إيديولوجية، إلا أنها كانت لا تخلو من رغبة مؤسس البنك لمطابقة نشاطه مع الشريعة الإسلامية ما أمكن. وكانت المجموعة ترغب في فتح شبابيك للمعاملات المصرفية الإسلامية، وقدمت بهذا الصدد طلبا إلى الوزير الأول الراحل عز الدين العراقي، الذي أشار إلى عدم تحفظه على المشروع، وأنه إذا لم يتم الرد السلبي بعد أجل معين، فيصبح ممكنا إطلاق المنتوجات الجديدة. ومن جهة أخرى موازية، كانت قد صدرت بعض التطمينات من بنك المغرب؛ لكن التطمينات لم تعْدُ كونها ودية مباشرة وشفاهية.

ولما أكملنا الإعداد الفني والتسويقي للشبابيك، وعند صدور أول إعلان تجاري لها بجريدة Le Matin du Sahara، حدثت وقتها رجة في الأوساط المصرفية وصدمة سياسية لدى الدوائر الرسمية، وإن كان الإعلان محتشما جدا ومراعيا للحساسيات. وجرى توقيف المنتوج فجأة من لدن بنك المغرب بمجرد مكالمة، طلب فيها تأجيل التجربة إلى حين ولم يطلب إلغاءها. وها قد تم تمديد ذلك الحين إل يومىنا هذا، أي لمدة ربع قرن. وللإشارة، فإن القانون الجاري به العمل آنذاك لم يكن يمنع فتح شبابيك وكان ممكنا فتحها مع تكييف المنتوجات الإسلامية في لباس المنتجات المحلية.

وكتتويج لكل هذه الجهود المبذولة على الأصعدة المهنية والجمعوية والجامعية، شهد المراقبون صدور دورية لبنك المغرب في 23 شتنبر من سنة 2007 ترخص لفتح نوافذ "للمعاملات البديلة" كما تمت تسميتها، داخل البنوك التقليدية القائمة؛ إلا أن المبادرة كانت جد محتشمة، وخيبت آمال المتطلعين إلى منتوجات مصرفية إسلامية ذات نجاعة وملاءمة لاحتياجاتهم. وقد راج في الأوساط المصرفية ولدى البنك المركزي أنها كانت مجرد تجربة لاختبار السوق. وعلى إثر تلك الخطوة التشريعية التي كانت المشجعة بالرغم من احتشامها، فتحت أول مؤسسة للمعاملات البديلة في سنة 2010، وهي تابعة لبنك التجاري وفا، تحت اسم دار الصفاء. وقد أطلقت المؤسسة التعامل بالمرابحة العقارية أساسا، والموجهة حصريا إلى العقار السكني.

وكانت تعد "دار الصفاء" ولا تزال أول شبكة مغربية في مجال الخدمات المالية البديلة، التي تختلف عن الخدمات التمويلية التقليدية، وتستهدف المهنيين والعموم، خصوصا المواطنين خارج شبكة البنوك التقليدية، باقتراح منتوجات تمويلية في مجالات العقار السكني، والمعدات. وارتكزت "دار الصفاء" في تعاملاتها المالية على ثلاثة عناصر، هي: الاقتناء والإيجار، والمرابحة، والمشاركة.

وبالرغم من النتائج الضعيفة للتجربة الأولى، فإنه لا يسعنا إلا الإقرار بأن المحاولة كانت محمودة وجديرة بأن تكشف عن العوائق وتدعم البنك المركزي في تصويبه للنقائص التي اعترت المحاولة الأولى، كما يصرح بذلك يوسف البغدادي، الرئيس الحالي لدار الصفاء. وقد صادفت هذه التفاعلات مع البنك المركزي الإعداد للقانون المصرفي الصادر بعد ذلك بخمس سنوات.

وقد تلا الخطوة الأولى، وفي سنة 2010 كذلك، فتح عروض مماثلة، تتمثل في نوافذ للتعامل بالمرابحة من لدن كل من البنك المغربي للتجارة الخارجية والبنك الشعبي المغربي؛ لكن هذا الأخير اقتصر على السوق الفرنسية.

ثم دخل المغرب بعد ذلك في تكميل المسار التشريعي الذي كان قد بدأ متواضعا على شكل منشورات البنك المركزي. والخلاصة هي أن هذا المخاض التشريعي انطلق مع عرض مشروع القانون من لدن حزب العدالة والتنمية في يناير 2011 ودام طوال تسع دورات تشريعية، شهدت محطات استشارة عمومية مفتوحة، ثم مصادقة حكومية، ثم انطلاق سجال بين الأحزاب وتعطيل إجرائي، دخلت فيه بعض الفعاليات داخل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، فمماطلة مسطرية، ثم أخيرا توافق بين الأحزاب من جهة وبين البرلمان وبين البنك المركزي من جهة ثانية.

ولا شك في أن بنك المغرب كان يدير دفة الإجراءات الإعدادية بجدارة، تحت ريادة الوالي عبد اللطيف الجواهري ومن خلال فريق عمل أبدى انخراطا قويا من أجل القضية. كما أن اللجنة الشرعية للمالية الإسلامية انخرطت في المسلسل بشكل جد متفاعل. وكحصيلة لهذا المسلسل البطيء لالتحاق المغرب بركب الدول المحتضنة للعمل المصرفي الإسلامي، لنقُل إن الدخول الفعلي المتأخر للمغرب في العمل المصرفي التشاركي نقمة في طيها نعمة، حيث إنه سوف يمكنه أن يغنم من تجارب السابقين.

وها نحن اليوم نعيش بعد ثلاثين سنة أيام الانطلاق الأول للبنوك الإسلامية في المغرب، والتي اختار المشرع لها تسمية البنوك التشاركية، على غرار التجربة التركية. ولا شك في أن التجربة، كما ستراها السنوات المقبلة بحول الله، ما زالت تحتاج إلى المزيد من المتابعة والجهد؛ لإقناع الأوساط المهنية بجدارتها بعدما اقتنع الجميع بجدواها، ولحمايتها من أي انزلاق