مغربي مطرود من الجزائر يتذكر إخوة السلاح و"ظلم ذوي القربى"

دافعوا عن استقلال الجارة الشرقية وساهموا في طرد المستعمر الفرنسي، ليجدوا أنفسهم مطرودين سنة 1975، في ما سمّي "المسيرة السوداء"، التي راح ضحيتها نحو 500 ألف مغربي، بعدما راهن جنرالات النظام الجزائري على خلق الفتنة الداخلية، إذ كانوا يتوقعون أن ترفض المملكة استقبالهم.

ونجح الملك الحسن الثاني في احتواء الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، فقد استقبل المغاربة المطرودين بحفاوة كبيرة. في المقابل، أصدرت وزارة الداخلية قرارا سنة 1976 يحث على عدم المساس بأي شخص من الجالية الجزائرية، في ظل الغضب الشعبي الذي كان سائدا آنذاك، متوعدة كل من خالف القانون بالسجن لمدة ستة أشهر.

"المخطط المجهض"

"وضع الجنرالات تسع حافلات في الحدود لمدة ثلاثة أشهر، تنتظر طرد العائدين"، يقول مصطفى معيسة، منسق فرع جمعية مغاربة الطرد التعسفي من الجزائر بوجدة.

يعد معيسة أحد ضحايا "المسيرة السوداء"، التي تلت تنظيم الرباط لـ"المسيرة الخضراء"؛ ذلك أن والده المسمى ميمون معيسة ساعد الجزائر في الحصول على استقلالها، إذ شارك في المقاومة الشعبية الجزائرية ضد فرنسا، وكان وقتها ضابطا في الجيش الوطني.

لبى ميمون معيسة نداء محمد الخامس، الذي دعا المغاربة إلى تقديم يد العون للأشقاء الجزائريين، لأنه كان يؤمن بالوحدة المغاربية، ليشارك بذلك في الثورة الجزائرية منذ 15 مارس 1956.

بعد حصول الجارة الشرقية للمملكة على استقلالها النهائي، عرض أحد الجنرالات على ميمون الحصول على الجنسية الجزائرية، لكن طلبه ووجه بالرفض، ليحصل في ما بعد على وسام "جيش التحرير الوطني" من قبل "وزارة المجاهدين"، تقديرا لتضحياته الجبّارة.

ظلم ذوي القربى

نال ميمون معيسة جيشا من الأعداء، كما راكم الكثير من الأصدقاء والمحبين على قلة سندهم.. جعل ساحة الوغى مقره ومنزله الوحيد، واكتسب مزيدا من الشهرة كضابط عسكري ميداني، عندما قاد رفاقه في القتال دفاعا عن الأراضي الجزائرية أمام قوات فرنسية أكثر عددا وأقوى عدة.

وقع الطرد أياما قليلة قبل حلول عيد الأضحى.."جاءت إلينا سيارة تابعة للجيش الجزائري ليلا، طلبت من أسرتي ركوب السيارة التي قامت بنقلنا إلى مخفر الشرطة"، يقول الابن مصطفى معيسة، وأضاف بحسرة: "نقلتنا شاحنة الجيش نحو الحدود.. كنا نبيت في الخيام، لأن وجدة لم تكن بمثل التوسع العمراني الحالي. لم يستطع أخي القدوم معنا، بحكم متابعته للدراسات العليا في جامعة وهران، وقد حرص أصدقاء والدي على مساعدته إلى أن عاد إلى أرض الوطن بصفة نهائية".

18 مليار دولار.. تعويضات المطرودين

في وقت أصدر المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سابقا قرارا مهما ينص على تعويض ممتلكات الجزائريين الذين غادروا المغرب، قامت الجزائر بتمرير بند مجحف في قانون مالية سنة 2010، يحث على مصادرة أملاك المغاربة التي اعتبرها "متخلى عنها"، بينما انتزعت منهم بالقوة.

واستمرت الشركات الجزائرية في دفع الأجرة الشهرية للمغاربة المطرودين طيلة سنوات عديدة، لكن لم يستطيعوا الحصول عليها، لأنها بقيت مجمدة في حساباتهم البنكية، وفق تعبير منسق فرع جمعية مغاربة الطرد التعسفي من الجزائر بوجدة.

وراسلت الجمعية لجنة الاختفاء القسري بالأمم المتحدة حول ملفات بعض الأشخاص الذين فقد أثرهم بعد عملية الطرد، لتستفسر الجزائر عن الموضوع، لكنها لم تتوصل بأي جواب إلى حدود اليوم؛ كما تقدمت بدعوى ضد البلد الشقيق لدى المحكمة الجنائية الدولية.

وأبرز مصطفى معيسة أن الخبراء الدوليين قدروا تعويضات المتضررين بنحو 18 مليار دولار، مشيرا إلى أن المغاربة الحاملين للجنسيات الأوربية بإمكانهم مقاضاة الجزائر وطلب جبر الضرر، لكنها عملية "غير مستقيمة"، لأنها ستبين أن السلطات المغربية لا تكترث لأمور مواطنيها.

واشتكى المتحدث ذاته ضعف الإمكانيات المادية للجمعية التي تشارك في الملتقيات والمؤتمرات الدولية، ما يساهم في عرقلة عملها، داعيا المسؤولين إلى دعم الجمعيات التي تترافع عن القضايا الوطنية للمملكة.

"خيمة الأخوة"

يشار إلى أن جمعية مغاربة الطرد التعسفي من الجزائر نظمت "خيمة الأخوة 1" سنة 2011، بغية فتح النقاش مع الجمعيات الجزائرية، إذ كان من المزمع نصب خيمة بوجدة وأخرى بإحدى المدن الجزائرية، لكن "قصر المرادية" رفض المسألة، في حين رخصت السلطات المغربية للجمعية.

وفي نهاية المطاف، استقر الأمر على بث المائدة المستديرة التي أعلنتها الجمعية عبر الأقمار الصناعية من وجدة، قصد فتح المجال للناشطين الجزائريين للمشاركة في النقاش الذي يهم الطرفين معا. وقدر عدد المشاركين بـ 400 شخص، وفق إحصائيات الجمعية.

حالات يرثى لها

يوجد من بين المتضررين، وفق شهادة معيسة، مغربي قضى 38 سنة في سجون الجزائر وليبيا، تعرض للخطف سنة 1975 من قبل عناصر مجهولة، إذ كانت زوجته تسأل عنه باستمرار دائم، لكن الشرطة لم ترغب في كشف مكانه، لأنه كان معتقلا بأحد سجون الجزائر.

ويحكي معيسة أن أحد المسؤولين اتصل بها ذات يوم، ليخبرها بأن زوجها يوجد في وجدة، لتنتقل هي الأخرى إلى المدينة الشرقية، لكن المفاجأة كانت كبيرة.. إنها مجرد كذبة لإجبارها على الرحيل.

انتظرت الزوجة سنوات طويلة، دون أن يظهر للمعني أثر، فقامت بالطلاق الغيبي وتزوجت من شخص آخر، أما زوجها فقد رحّل إلى تندوف ثم ليبيا في فترة لاحقة؛ وعاد إلى وهران بعد إطلاق سراحه، ليخبروه أن زوجته رحلت إلى وجدة، ليكتشف حقيقة الزواج المُرة، فلم يحتمل الصدمة واختفى بصفة نهائية.

في المقابل، توجد حالات بعض النساء اللائي فضلن التخلي عن الجنسية الجزائرية، من أجل مرافقة أزواجهن المغاربة. كما فقدت العديد من الأمهات أبناءهن خلال عملية الطرد.