كيف واجه المغرب تداعيات انتشار أخطر أزمة صحية في العالم؟

قبل ثلاثة أشهر تقريبا، لم تكن هناك أي خطط جاهزة لمواجهة الأزمة الوبائية الراهنة، بالنظر إلى الانتشار السريع والمفاجئ لفيروس "كوفيد-19" في جلّ أنحاء العالم، الأمر الذي عزّز مخاوف تسلّل الوباء إلى المغرب؛ لكن ستتبلور خلال الأسابيع الموالية لتسجيل أولى الحالات إستراتيجية الدولة لاحتواء "كورونا"، وهو ما تمثل في حالة "الطوارئ الصحية" التي أعقبتها مجموعة من التدابير العملياتية المتسارعة.

وبينما بدأ الفيروس يتسرّب إلى البلد رويداً رويداً، عمدت الدولة إلى تطويق الأزمة الفجائية، فأعلنت عن سلسلة من التدابير الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والصحية قصد الحد من تداعيات انتشار الوباء؛ وهي الإجراءات التي لاقت استحساناً أحياناً واستياءً في أحايين أخرى، لكن الجميع اصطف وراء الدولة في "معركة كورونا" المستمرة.

"كورونا".. استسهال ثم استصعاب

ما رؤيتك للتدابير الصحية المُعلنة منذ بداية الأزمة؟ لم يتردد علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، في القول إن "الإجراءات المتخذة جنينية فقط، لأنها لم تكن مبنية على استراتيجية ومعطيات استباقية، ما يمكن أن نستشفه في تصريحات مسؤولي وزارة الصحة في بداية الجائحة، عندما أوردت أن الفيروس غير قاتل، ولن نصل إلى ما عاشته البلدان الأخرى".

لطفي أوضح، في حديث مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن "القراءة لم تكن مبنية على معطيات صحيحة، ما أدى إلى الاستهانة بالفيروس؛ ومن ثمة يمكن تفسير التأخر في مواجهته، حيث جرى اعتماد مختبرين فقط للتشخيص، الأمر الذي جعل عملية الكشف المبكر متعثرة، لكن ذلك يعود إلى المنظومة الصحية المتدهورة، بإمكانياتها القليلة ومواردها البشرية الضعيفة".

وأضاف الفاعل الصحي أن "صندوق تدبير جائحة كورونا هو الذي أنقذ وزارة الصحة، بعدما خصص لها مليارين لشراء الأدوية والتجهيزات، إلى جانب توفير الوحدات الصحية المخصصة للعناية الفائقة"، مستدركا: "الوزارة قلّلت من شأن الأزمة في البادية؛ لكنها تداركت الأمر بعد تعليمات الملك محمد السادس في مجالات عديدة، الأمر الذي أنقذ الموقف".

الحزمة الثانية من التدابير

على الصعيد الاقتصادي، يرى المهدي الفقير، باحث اقتصادي، أن التدابير الأولية موجهة للحد من تأثير الجائحة، وهو ما عبر عنه بقوله: "الحزمة الأولى من الإجراءات خفّفت من الضرر الآني على الاقتصاد الوطني، سواء ما تعلق بالمواطنين أو الفاعلين الاقتصاديين، لكن البلد يحتاج إلى حزمة ثانية من الإجراءات موجهة للقطاعات الأكثر تضررا".

ولفت الفقير، في تصريحه لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن "الحديث ينصب حول قطاعات السياحة والترفيه لأنها توقفت بقرار سيادي"، وزاد: "الخوف كل الخوف من اختفاء البنية التحتية الاقتصادية عند رفع الحجر الصحي، ما يستوجب الحفاظ على البنية التحتية للاقتصاد؛ ألا وهي النسيج المقاولاتي".

وأكد متحدثنا أن "الجرعة الثانية من التدابير الحكومية ينبغي أن توجه إلى النسيج المقاولاتي، من خلال الإبقاء عليها من جهة، وتدعيم القدرة الشرائية من جهة ثانية"، موضحا أن "الطلب الداخلي سينخفض بشكل كبير، ما يستوجب تعزيز الاستهلاك الداخلي".

طوارئ طويلة الأمد

البلد في حاجة ماسة إلى صندوق دائم للطوارئ.. هذا ما يقوله عبد القادر الزاير، الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل. ومن هنا، ينطلق الزاير للحديث عن الأزمة قائلا: "نجحنا في تدبير مجموعة من المجالات مقارنة مع ما وقع في العالم، من خلال تحمل الدولة لمسؤوليتها فيما يتعلق بتعويضات العمال".

لكن التداعيات طويلة المدة للأزمة تستدعي إحداث صندوق للطوارئ، وفق المتحدث، على اعتبار أن العالم مقبل على مخاطر وبائية في المستقبل، مشيرا إلى "إلزامية توفير احتياطات مادية من طرف الحكومة، بالموازاة مع إقرار تشريعات قانونية لتأطير ذلك، حتى يتسنى خلق مشاريع من شأنها امتصاص البطالة".

ويعود علي لطفي، بوصفه الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، للحديث عن التداعيات الاجتماعية، مستطردا: "الخطورة تكمن في ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل مستقبلا، بسبب إغلاق العديد من الشركات أبوابها بشكل نهائي، وأخرى بصفة مؤقتة، ما يستلزم دعم الدولة للمقاولات ماديا، وكذلك ما يتصل بالمقاهي والمطاعم وغيرها".

"اتفاق جديد"

وبخصوص ظهور البؤر الصناعية في بعض الحواضر الكبرى، يقول لطفي، الفاعل النقابي، إن "الشركات والمقاولات أصبحت بؤرا حقيقية للوباء، حيث سمحت الحكومة باستمرار أنشطة بعض الشركات التي لا يحتاجها المغرب في الزمن الراهن، من قبيل معمل لصناعة الأحذية، في حين توجب الترخيص لمقاولات تصنيع الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الغذائية فقط".

المطلوب اليوم من الدولة، تبعا للمهدي الفقير، الخبير المحاسباتي، أن يتم تطعيم لجنة اليقظة الاقتصادية بالمنظرين الاقتصاديين، من خلال إيراده بأن "ذلك حدث في التاريخ الحديث، ما تجسد في الكساد الكبير لسنة 1929، حيث تدخلت الدولة الأمريكية في أواسط 1932 بالخطة الجديدة (نيو ديل)، عُهد فيها إلى استشاريين لدى روزفلت للبحث عن أفكار جديدة".

صفوة القول في هذا الصدد، عند الخبير الاقتصادي، إنه ينبغي "البحث عن أفكار جديدة في ظل الأزمة الصحية الراهنة، رغم الحديث عن نموذج التنمية الجديد؛ لأن لجنة اليقظة الاقتصادية في حاجة ماسة إليها حتى يتم توجيه أفكارها بشكل أمثل، ما سيُمكن من تجاوز التداعيات الاقتصادية للجائحة".