بوصوف يرفض "جلد الذات" وينفض الغبار عن "مغرب الكفاءات"

كثيرا ما نسمع عما يُحققـه التحفيز المعنوي والنفسي من نتائج إيجابية، وعلاقة مساحة التفاؤل والإيجابية في دواخل الفرد بنجاحاته وانكساره وتحقيق أهدافه، كما نسمع كثيرا عن دور الثقة في النفس أولا والثقة في المحيط ثانيا في حسم القرارات الفردية والقدرة على تحقيق الأهداف ومواجهة التحديات.

ولعل هذا ما جعل العديد من المفكرين والفلاسفة والفنانين والسينمائيين يبدعون في الاشتغال على مواضيع اجتماعية واقعية مع حقن هذا الواقع بجُـرعات أمل زائدة وعدم التوقف بشكل كبير عند النواقص والإشكاليات التي تطبعه، بل التركيز أكثر على رمزية النصف المملوء من الكأس، وإعطاء بصيص أمل وسط الظلام أحيانا، وإبراز أهمية التشبث بالضوء الموجود في آخر الممر الطويل والمظلم.

وهناك بضع دول اختارت إعطاء إشارات قوية بضرورة إفشاء روح الأمل والثقة الجماعية والتنافس في الخلق والإبداع والابتكار في خلق آليات لمحاربة الريع والتنافس غير الشريف، وتوجهت عبر قنوات التشريع والإعلام إلى تجنب نشر روح الاتكال والأفكار الظلامية وثقافة الإحباط والعيش على اصطياد أخطاء الآخرين. وهو التوجه نفسه الذي أدى إلى خلق وزارات غير معهودة كوزارة السعادة أو السعادة الاجتماعية، ووزارة النساء والموهوبين، أو وزارة الوحدة أو التسامح، وأتبعت هذا المنحى بتشجيع العديد من المهرجانات الثقافية والمعارض لهذه القيم الإنسانية وتبنيها كبرامج سنوية للأنشطة الثثقيفية والفنية.

لكــن هــذا لا يعني أنه لا يحق تقديم قراءات نقدية للواقع والقيام بتشخيص موضوعي حقيقي من دون التمادي في اعتناق نظريات المؤامرة، أو تخوين تيار اختار النقد البناء من أجل واقع أفضل ومستقبل أرقى، حيث العدالة الاجتماعية ومناخات التنمية والاستثمار والعيش الكريم. فالمطلوب إذن هو النقد المسؤول دون الوصول إلى جلد الذات.

لقد بلغ ارتفاع منسوب انتقاد الوضع في المغرب إلى درجات غير مسبوقة توحي بانسداد الأفق وانعدام الأمل. والملاحظة العامة هي انتشار منهجية تفكير واحدة متمثلة في النقد من أجل النقد ونشر ثقافة الإحباط والتنبؤ بالمستقبل المظلم، مما يدفع للتساؤل حول الأسباب الحقيقية والخلفيات وراء تشجيع هذا الاتجاه النقدي دون آخـر، وعن الجهة التي لها مصلحة في صباغة جدران مستقبل البلاد باللون الأسود، وأيضا عن مساهمتها في فرض نموذج واحد للتفكير ولـتصور نمطي للواقــع؛ لكن لا يجب أن يُـفهم من كلامنا هـذا أنه دعوة إلى تجميل الواقع أو تزييف مكوناته، بل إن منطلقاتنا هي وطنية صرفة تهدف إلى خلق أجواء نقاش عمومي غير جارف إلى مناطق الشعبوية أو البروباغاندا الفارغة.

صحيح أن المغرب مثله مثل باقي بلدان العالم يشكو من نقائص ومعيقات، وهذا ليس سـرا نكشفه لأول مرة، بل هناك خطابات ورسائل ملكية ذهبت في تشخيصها للواقع بكل وضوح وسلاسة إلى تسمية الأمور بمسمياتها؛ وهكذا سمت الفساد باسمه والريع باسمه والرشوة باسمها والهشاشة باسمها... لكنها طرحت في الوقت ذاته تصورات وسيناريوهات للخروج من عنق الزجاجة وفق برامج استعجالية واستراتيجية، بما يكفي من الثقة أيضا في الأفراد والمؤسسات. هذا النقد البناء جاء يحمل في طياته نشر ثقافة الثقة بالنفس وفي المحيط المجتمعي، الشيء الذي يساعدنا في تجاوز التحديات على أكثر من مستوى، وقبل ذلك الثقة في الشخصية المغربية والإنسان المغربي.

إن حديثنا هذا عن الثقـة في الشخصية المغربية بعيدا عن كل مبالغة فكرية أو انسلاخ عن الواقع، هو حديث موضوعي وواقعي، مرده إلى منجزات الشخصيات المغربية عبر التاريخ وما قدمته للإنسانية في الماضي، ومبني على ما تتداوله وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة، والأصداء التي تصلنا من خارج المغرب عن نجاحات وبطولات حققها شبان وشابات المغرب من خريجي المدرسة العمومية ومن أبناء أسر مغربية، سواء كانت عادية أو غنية، لكنهم أصروا على التفوق والإعلان عن حضورهم القوي في مختلف المسابقات العالمية.

لقد طبع المغاربة في السنوات الأخيرة المشهد الإعلامي وتصدروا أغلفة مجلات وجرائد دولية، وبالتالي فمن حقهم علينا التنويه بهم والإشادة بنجاحاتهم وبطولاتهم واعتمادها كأدوات تحفيزية للأجيال الشابة، وكمرآة تعكس الجانب المضيء للمجتمع المغربي رغم كل الصعوبات والإكراهات.

فعندما يتحدث العالــم عن إنجازات غير مسبوقة لشخصيات مغربية شابة في مجالات علمية ومعرفية معقدة، وعن جوائز وبطولات في الذكاء الرياضي أو الطب أو مجالات الاختراع والإبداع أو الإنشاد الديني... فان ذلك يشكل رصيدا لنا وجب استثمار تبعاته في ترسيخ صورة إيجابية رسمها هؤلاء الشباب لوطـن يشق طريقه بكل عزيمة لتحقيق مناخات العيش الكريم والعدالة الاجتماعية، وطن واع بمناطق ضعفه وقوته، ويجعل من الإكراهات مقومات في سبيل كسب التحديات.

فمريم امجون وفاطمة أخيار ولحسن اولحاج ويوسف العزوزي وأمينة الدمناتي وفاطمة أمخا وإدريس بنعلي وأمين ادريوش وعبد الجليل بوسكي، وغيرهم كثير من أبناء المغرب في الداخل، أو من مغاربة العالــم كرشيد اليزمي وكمال الودغيري وليلى العلمي... كل هؤلاء يجسدون القراءة الأخرى للواقع المغربي وهم مقومات الصورة المشرقة للمستقبل. فالعديد من هؤلاء الشباب والشابات لم يولدوا وفي فمهم معالق من ذهب، بل هم شخصيات آمنت بقدراتها واكتسبت ثقة في نفسها وفي محيطها ورفعت التحدي وانتصرت على كل عوامل الإحباط في الواقع وأعملت ذكاءها من أجل شق الطريق الصحيح نحو النجاح والتألق.

قد ينتابنا الشعور أحيانا بأنه ربما هناك أياد خفية هدفها إغراقنا بالأفكار الهدامة وبث الأفكار السلبية في نفوس الشباب بترسيخ "مُطرب الحـي لا يُـطرب" أو "مكاينش معامـن"، إلا أن الأمل ينبعث من جديد في مستقبل أفضل عند رؤية شباب المغرب نجوما ساطعة في سماء العلوم والفن والرياضة والثقافة.

لكل ذلك، لا يجب الإفراط في جلد الذات بانتقادات لا تعطي أهمية قصوى للمعادلات السياسية والاقتصادية والمالية العالمية، ولا تعطي المسافة الزمنية اللازمة لجهاز مناعتنا الداخلية وقوتنا على التشخيص وطرح البدائل الموضوعية والملائمة.

لكن في الوقت نفسه يجب الاعتراف بأن البرامج المطروحة الآن قـد استنفدت أسباب وجودها، وبالتالي وجب تظافر الجهود من أجل البحث عن نموذج تنموي جديــد قادر على احتواء انتظارات المواطن المغربي وتقديم إجابات من خلال سياسات عمومية واضحة وفعالة.

إلا أن هذه البرامج التنموية والعدالة المجالية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية المنشودة، تحتاج أيضا إلى ترسيخ الثقة بيننا جميعا، أفـرادا ومؤسسات، والرفع من منسوب الثقة في قدراتنا الفردية والجماعية، وهي مسألة ليست بالهينة، كما أن هذه الغاية الكبرى تقتضي مساهمة كبيرة للفاعل السياسي والإعلامي والحزبي وللمجتمع المدني وللنخبة المغربية بكل أطيافها، في سبيل إعلاء صوت الوطن.